« أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ . وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ » .
( يس / 78 و 79 )
ونظائرها كثيرة في القرآن الكريم .
تنبيهات :
[ التنبيه ] الأوّل :
ظاهر الآيات الكريمة أنّ خلق السّماء أشدّ خلقا من خلق الناس ؛ كما هو صريح غيرها من الآيات . وقد استدلّ المفسّرون بهذه الآيات على صحّة بعث الإنسان وحشره بعد موته وتفرّق أجزائه . قالوا : كيف يستبعدون أنّ اللّه الّذي خلق السّماء - وهو أشدّ وأعظم من إحياء الموتى - أن يمتنع عليه إعادة الأبدان ، مع كونها أضعف خلقا ؟ ! ولم أجد في تفسير هذه الآيات بهذا المعنى خلافا بينهم .
[ التنبيه ] الثاني :
هذه الآيات الكريمة - كغيرها من الآيات - صريحة في أنّ خلق السّماء أشدّ وأكبر من خلق الناس بحسب الواقع . ولا يجوز أن يتوهّم أحد أنّ اللّه - سبحانه - قد أخذ المشركين بما هو مسلّم عندهم - على سبيل المجادلة بالأحسن - من كون السّماء أشدّ خلقا من النّاس عندهم . لأنّ اللّه - سبحانه - أجلّ وأعلى من أن يستدلّ في إثبات حقّ بما هو خلاف الواقع ، من باب المجادلة بالأحسن . لأنّ الجدال بالأحسن لا بدّ أن يكون على حقّ صريح وصدق محض .
[ التنبيه ] الثالث :
قد عرفت أنّ الاستدلال بكون السّماء أشدّ خلقا من خلق النّاس ، إنّما هو على صحّة بعث الموتى وحشرهم بعد تفرّق أجزائهم ، وأنّها أهون من أن تمتنع عليه - جلّت عظمته . ولا دلالة فيها بوجه على صحّة إنشاء الإنسان في النشأة الأخرى المجرّدة عن المادّة دون الكمّ ، ولا على وجوب إنشائه كذلك .
قوله تعالى :
« أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها
( 27 ) » .
قال في الكشّاف 4 / 214 : أأنتم أصعب خلقا وإنشاء أم السّماء .
أقول : الظّاهر أنّ « خلقا » تمييز من الأشدّ ، والأشدّ بحسب الواقع نعت وصفة للخلق ؛ أي : الخلق العظيم الشديد . فعلى ما ذكرنا ، يكون « خلقا » بمعناه الاسم