رسالته ونبوّته وتحمّل مشاقّ دعوته ؛ وهذا المعنى أجنبيّ أن يكون عبرة لأهل الخشية .
وقوله تعالى :
« لِمَنْ يَخْشى » ؛
أي : يخشى اللّه - سبحانه - ويخاف مقامه . وهذه الجملة المباركة ليست في مقام بيان اختصاص العبرة لأهل الخشية وسوقهم ودعوتهم إلى العبرة . فإنّ العبرة بآيات سطوته تعالى ، من الواجبات الضروريّة العقليّة الّتي لا فرق فيها بين المؤمن والكافر ، وبين أهل الخشية والقسوة . غاية الأمر أنّ حرمان أهل القسوة عن العبرة بنور الخشية ، إنّما هو مستند إلى سوء اختيارهم ونكوسهم عن الاعتبار والاستبصار بآيات قهره تعالى ، كي يحصل لهم نور الخشية ويدرك به وجوب العبرة .
ولعلّ العناية في تقييد العبرة لأهل الخشية ، إنّما هو لتشريفهم وإكرامهم وحسن الثّناء عليهم . وفيه توبيخ لأهل القسوة وأهل التّهاون ، من جهة إهمالهم وقصورهم في وظائفهم . فيجب على كلّ من عقل وتمّت عليه الحجّة ، الإيمان باللّه الّذي عرّف نفسه لجميع خلقه ، والتدبّر والتبصّر في آيات قهره وسطوته ، وعلامات عواطفه وكراماته ؛ وكذا في غير ذلك من معاني أسمائه ونعوته - جلّ ثناؤه .
وأمّا تفسير الخشية ، والفرق بين الخشية من اللّه - سبحانه - وممّا سواه من خلقه من الأمور العاديّة المادّيّة ، قد ذكرناه في تفسير قوله تعالى :
« وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى » .
ثمّ لا يخفى أنّ هذا الاختصاص بالمعنى الّذي ذكرناه في المقام ، إنّما هو في مقابل الكفّار والفجّار . وأمّا بالنسبة إلى غير الخاشعين من أهل الإيمان ، سواء كانوا في أعلى درجة من الخاشعين أو دونهم ، فلا يفيد الاختصاص . ضرورة أنّهم كلّهم على اختلاف مراتبهم ودرجاتهم في الإيمان ، من أهل العبرة والخشية ؛ والعناية في إضافة العبرة إلى الخاشعين أنّهم من حيث إنّهم خاشعون كانوا مترصّدين لمطالعة آيات قهره تعالى وسطوته - سبحانه - على أعدائه ، لا أنّ غيرهم ممّن كان دون أعاظم الموحّدين ليس من أهل العبرة والخشية . فإنّ ثبوت شيء لشيء لا ينافي ثبوته لما سواه .