تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
فرعون :
« فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى »
( طه / 49 ) و :
« وَما رَبُّ الْعالَمِينَ »
( الشعراء / 23 ) و :
« ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ » .
( غافر / 26 ) وقال تعالى حكاية عن قوم فرعون :
« أَ تَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ . . . »
( الأعراف / 127 ) فالظّاهر من قوله تعالى :
« وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ »
أنّ لفرعون وقومه آلهة من دون اللّه ، وأنّ فرعون جعل نفسه في جملة الآلهة وأكبرهم وأعلاهم جميعا . فالظّاهر أنّ هذا هو معنى قوله تعالى :
« أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى »
حكاية عن فرعون . قال في المجمع 10 / 432 ، في تفسير المقام : أي : لا ربّ فوقي . وقيل : معناه : أنا الّذي أنال بالضّرر من شئت ، ولا ينالني غيري . . . وقيل : إنّه جعل الأصنام أربابا فقال : أنا ربّها وربّكم . أقول : الوجه الأوّل يرجع إلى إنكار الربّ ، لا دعوى الربوبيّة . والثاني والثالث خروج عن ظاهر اللّفظ ، وتأويل بلا دليل . على أنّ ظاهر الآية أنّه ادّعى الربوبيّة العليا للنّاس ، لا ربوبيّة الأرباب والناس . وذكر الرازيّ في تفسيره 31 / 42 ما مضمونه : إنّه لا يمكن للإنسان أن يقول ويعتقد أنّه خالق السماوات والأرض وما فيهما ؛ فإنّه ضروريّ الفساد . فمن يشكّك في هذا ، فهو مجنون . ولا يرسل اللّه رسولا إلى مجنون . بل الرجل كان دهريّا ينكر الصّانع والحشر والنشر ، ومراده بهذا القول أنّه لا إله ، ولا رسول ، ولا أمر ولا نهي لأحد عليكم ، وأنا مربّيكم والمحسن إليكم . . . وقال القاضي : لا يليق لفرعون بعد انقلاب العصا حيّة وظهور عجزه وذلّته ، أن يقول :
« أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى » .
فدلّت هذه الآية على أنّه صار في هذا الوقت كالمعتوه . أقول : ما ذكره الرازيّ ، وإن كان منطبقا على الآية في الجملة ، إلّا أنّ فيه خروجا عن ظاهر اللّفظ وأخذا بلوازم من يدّعي الربوبيّة . وأمّا قول القاضي ، فليس بشيء . فإنّ الجبابرة لا يستحيون من الذلّ والفضيحة ، ولا يعتدّون بأمثال ذلك في مقالاتهم ومحاجّاتهم لأعدائهم . والأظهر من الجميع ما ذكرناه . واللّه هو الموفّق .