ليست ما هو المتوهّم في بادئ الأمر من انفعال النّفس وتأثّر القلب ممّا يرد عليه من الأهوال والأفزاع والشدائد ، فتضطرب النفس وتدهش . فإنّ تلك لا تعدّ كمالا للنّفس ، بل هو أمر عاديّ وتأثّر بحسب المزاج ، وهي آية الهوان وعلامة العجز .
بل الظّاهر أنّ المراد من الخشية ، هي المراقبة الشّديدة والمواظبة الكاملة لجلال الربّ ومقام الألوهيّة ؛ وعند التحليل ترجع إلى معرفة العبد ربّه تعالى من حيث إنّه رقيب وحفيظ على عباده ، ومهيمن على كلّ نفس بما كسبت . فالعبد العارف بربّه المهيمن ، واقف بباب الكبرياء ، مراقبا لجلال الربّ ، ولا يسوّغ لنفسه إساءة الأدب بساحته - جلّ ثناؤه . فهذا هو المقصد الأعلى والكمال الأسنى للإنسان .
قوله تعالى :
« فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى
( 20 ) » .
أقول : تنقيح البحث في المقام في ضمن مسائل :
الأولى : قوله تعالى :
« فَأَراهُ » ؛
أي : أظهر موسى - عليه السّلام - الآية الكبرى لفرعون . والآية هي الحجّة القاطعة والبيّنة الواضحة . وهو أمر خارق للعادة ، وعلى خلاف السنّة الطبيعيّة . فهذه الآية في حدّ نفسها - مع قطع النظر عن جهة التعجيز والتحدّي - حجّة إلهيّة على الولاية الإلهيّة التكوينيّة للإنسان ، وعلى كونه ذا كرامة ومكانة عند اللّه - سبحانه - وحجّة أيضا لإلزام الخصم وتقريعه وتعجيزه - عند المعارضة والمبارزة - عن الإتيان بمثلها . وبعناية التحدّي والتعجيز المقارن لدعوى النبوّة والرسالة ، تكون حجة على صدق النبوّة والرسالة . فإنّ الإتيان بالأمر الخارق للعادة ، استثناء عن سنّة الأسباب والعلل ، لا يقدر عليه أحد إلّا اللّه - سبحانه - أو من يكون مالكا للقدرة الخارقة للعادة بتمليكه تعالى ويفعل الأمر الخارق للعادة بأمره تعالى وبإذنه .
ووجه دلالة المعجزة على صدق دعوى الرسالة والنبوّة ، أنّ الرسالة والنبوّة أمران خارقان للعادة ، وارتباط خاصّ باللّه - سبحانه - وإدراكه غير مقدور للنّاس ؛ فالمعجزة الّتي يعرفها ويدركها الناس ، طريق إلى نيلها وتصديقها . فإنّ حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز سواء من دون فرق بين خارق وخارق آخر . وكذلك الكلام إذا كانت المعجزة مقارنة لادّعاء التحدّي والتعجيز فتكون حجّة على