معرفته تعالى ومعرفة نعوته ومفاد أسمائه - جلّ ثناؤه - لأوليائه ، ليست إلّا بتعريفه نفسه إلى أوليائه وعباده . فاللّه - سبحانه - هو البرهان الحقّ المبين على ذاته ونعوته عند أنبيائه . وحيث إنّ موسى - عليه السّلام - من أكابر الإلهيّين ، ويعرف ربّه عن عيان وبصيرة من ربّه ، بتعريفه نفسه إليه ، فيناجيه تعالى ويكلّمه ، وهو في حريم القرب وفي محفل الأنس ؛ ويأخذ كلامه ووحيه في موقف الحضور ، لا في موطن الغيبة والحجاب بينه وبين ربّه . فهو - سبحانه - شاهد صدق وبرهان حقّ لموسى ، على معرفته ربّه ، وعلى معرفة أنّه يأخذ الكلام والوحي عن ربّه .
وأيضا للأنبياء والرسل والأوصياء - سيّما الأوصياء الصدّيقين من آل الرسول - برهان إلهيّ آخر به يعلمون أنّهم يعلمون . وهو روح القدس الّذي أكرمهم واختصّهم اللّه - سبحانه - بهذا الروح دون غيرهم ، وما تنبّأ نبيّ ولا أرسل اللّه إلى أحد ، ولا قام وصيّ بأمر الوصاية وتحمّل ودائع الرسالة والنبوّة ، إلّا واجدا لروح القدس ، مقارنا للنبوّة والرسالة والوصاية أو قبلها .
فتحصّل أنّ موسى - عليه السّلام - وغيره من الأنبياء والرسل والأوصياء ، كانوا على بيّنة وبصيرة من ربّهم في إحقاق ما يأخذون ، وتشخيص ما يتلقّون من النبوّة والرسالة والشرائع والأحكام والحقائق والمعارف ؛ وكذلك الأوصياء في تلقّيهم عن الرسول والنبيّ أخذا وحفظا وبلاغا وتعليما . كلّ ذلك بروح القدس . وهو العلم الحقيقيّ الصّريح المصون والمعصوم بذاته عن الخطأ والخبط والسهو والنسيان ؛ وليس من باب مكاشفة الصّوفي ولا قطع الفيلسوف . وهما مثار الاختلاف والخلاف ؛ لا يعلم القاطع والمكاشف من المصيب ومن المخطئ ، فيكفّر ويخطّئ بعضهم بعضا .
وقد أوردنا ما يدلّ على ذلك في رسالتنا « الروح في القرآن » ذيل سورة النبأ ، الآية الأولى .
قوله تعالى :
« بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً
( 16 ) » .
قال في القاموس 4 / 402 : الوادي : مفرج ما بين جبال أو تلال أو آكام . ج :