حقيقتان متباينتان بحسب الواقع والمفهوم . فإطلاق لفظ الرسول على من أخذ رسالة ربّه بواسطة أهل السّماء ، للتحفّظ والعناية على أنّ هذا الإنسان قد تلقّى الرسالة من رسول أرسله اللّه - سبحانه - إليه وصار حاملا لها واجدا إيّاها .
والظّاهر من الآية الكريمة ، ومن الآيات الواردة في هذا المورد ، أنّ موسى - عليه السّلام - قد تشرّف بكرامة النبوّة ، قبل تشرّفه بموهبة الرّسالة ، وأنّ هذا الموقف الجليل أوّل موقف طلعت عليه حقيقة النبوّة .
ثمّ لا يخفى أنّ نداءه تعالى لموسى في الآية المبحوثة ، وفي قوله تعالى :
« فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى . إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً »
( طه / 11 و 12 ) وكذلك في الآيات الواردة في هذا السياق ، الظّاهر أنّه من جملة الوحي وأنّه تكليم إلهيّ ، سواء عهد معه إلى موسى النبيّ شيئا من الأحكام ، وعلّمه شيئا من المعارف والحقائق ، أو لا . فالنبوّة تحقّق بنفس إنشائه وإيجاده النّداء ، وإسماعه للنّبيّ ؛ ضرورة أنّه عين ارتباطه بعالم الغيب وانكشافه له ، لا أنّه مقدّمة لإلقاء الوحي .
فإن قلت : إنّ الرسالة والنبوّة بالمعنى الّذي ذكرت - أي : إنّ النبوّة هي الوحي بلا واسطة ، والرسالة هي الوحي بالواسطة - فعل من أفعاله تعالى . وبناء على ما ذكروه من أنّ كلّ حادثة وواقعة في العالم بلا استثناء شيء منها ، معلول ومسبّب لأسباب وعلل مسخّرة تحت تسخيره تعالى ، ونسبته إلى الأسباب والعلل نسبة مجازيّة - ومثّلوا لذلك في بعض كلماتهم أنّ نسبته إلى الملائكة المدبّرين في مقابل الفاعل الأوّل جلّ ثناؤه ، كنسبة الكتابة إلى القلم في مقابل الكاتب - فالفعل فعل للّه بالحقيقة . فعلى هذا يرتفع الفرق المذكور بين النبوّة والرسالة .
قلت : قد استقصينا الكلام في هذا الباب ، في ذيل تفسير قوله تعالى :
« فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً » .
وأوضحنا ثمّ أنّ الملائكة عباد مكرمون معصومون ، وأعمالهم ليست إلّا لامتثال الأمر ، ومن باب الطّاعة والخضوع الاختياريّ لساحة الربّ - جلّ شأنه - لا الخضوع التكوينيّ بالتسخير . وذلك من قطعيّات الكتاب والنصوص المتواترة . ولا يجوز تأويلها بهذه المغالطات الّتي سمّوها برهانا .
وقد أجاب بعضهم عن ذلك ما ملخّصه : إنّ التكليمات الإلهيّة للإنسان النبيّ