بجميع أقسامها ، وإن كانت مع الواسطة في جميعها ، لكنّ الأمر يدور مدار التفات المخاطب إليه . فإن التفت إلى الواسطة ، واحتجب بها عن اللّه - سبحانه - فقد أخذ الوحي عن الواسطة ؛ ويسمّى ذلك التكليم تكليم رسالة . وإن لم يلتفت إلى الواسطة ، وارتفعت الوسائط والأسباب بينه وبين اللّه - سبحانه - فقد أخذ الوحي عن اللّه تعالى ؛ ويسمّى تكليم وحي في مقابل الرسالة .
أقول : فعلى ما ذكره ، يكون النداء في الآية المبحوثة ، وفي الآيات الواردة في قصّة موسى وغيره من الأنبياء ، مع التوجّه إلى الواسطة وبدونه وحيا . وهذا تأويل بارد لا يجوز الركون إليه . وهو فرار عن الحقّ بعد وضوح الحجّة . فإنّ قوله تعالى :
« وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ »
( الشّورى / 51 ) صريح في تثليت الأقسام . والعطف بأو وتقسيم التكليم ، دليل على التباين بينها وأنّ الفرق فرق جوهريّ لا انتزاعيّ من غير شاهد ولا دليل . « 1 »
وحيث إنّ هذه الآيات في قصّة موسى كلّها واردة في مورد واحد وفي شأن خاصّ - وإن كانت عباراتها مختلفة بعنايات مختلفة - فالنداء في جميعها من مصاديق النبوّة بالمعنى الّذي ذكرنا في مقابل الرسالة ؛ وهما من المعارف الأصيلة في القرآن الكريم .
قال الرازيّ في تفسيره 22 / 17 : « اختلفوا في أنّ موسى - عليه السّلام - كيف عرف أنّ المنادي هو اللّه تعالى . » ثمّ ذكر وجوها عن الأشاعرة والمعتزلة .
قال في الكشّاف 2 / 531 : وإنّ إبليس وسوس إليه فقال : لعلّك تسمع كلام الشيطان . فقال : أنا عرفت أنّه كلام اللّه . إنّي أسمعه من جميع جهاتي الستّ وبجميع أعضائي .
أقول : لا يخفى عند أولي الأبصار أنّ المسلّم بحسب الآيات والروايات ، أنّ
هامش
( 1 ) - قد تقدّم البحث في ذلك في تفسير هذه الآية في رسالتنا « الروح في القرآن » ذيل تفسير سورة النّبأ ، الآية الأولى .