« إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ » .
( يونس / 3 )
الآية الكريمة مسوقة لتمجيده تعالى ، ولبيان وحدانيّته تعالى في خلق السّموات والأرض وفي استيلائه على العرش وما جرى فيه ، وفي تدبيره أمر العالم . وقوله :
« ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ »
بيان لإبطال الشّركاء والشّفعاء من دون إذنه .
أي : إنّ هذا التدبير العمديّ العلميّ ، إنّما هو بيده الباسطة ، لا دخالة فيه من شريك ، ولا تأثير فيه من شفيع ، إلّا لمن يأذن له في الشّفاعة ويرتضيه تعالى فيما يدبّره .
والآية الكريمة ظاهرة الدلالة على أنّ مرتبة هذا التدبير متأخّرة عن مرتبة خلق السّموات والأرض . فلا محالة يكون تدبير الأمر فيهما ، لا لتنظيم خلقهما وإتقان الصنع في إيجادهما . فعليه تكون السّموات موطن التّدبير ومحلّ الرتق والفتق والقبض والبسط ؛ والتّدبير منه تعالى فيما يجري في هذا العالم ، يقع في السّموات والأرض من أفعاله ، وقد دبّر فيهما أعمالا وأفعالا صالحة ومصلحة وسننا قيّمة فاضلة .
وممّا ذكرنا يعلم الكلام في قوله تعالى :
« اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ » .
( الرعد / 2 )
بيان ذلك أنّ في الآية الكريمة شهادة ودلالة على أنّ تدبير الأمور وتفصيل الآيات ، بعد رفع السّموات وخلق ذواتها ، وبعد مرتبة استيلائه على العرش . قال تعالى :
« قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَ فَلا تَتَّقُونَ » .
( يونس / 31 )