تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 386

مساهمون:

ص٣٨٦
الانقياد المطلق والاستسلام الخالص في مقابل أمره تعالى ؛ والأمر به إرشاديّ . والأوامر الإرشاديّة لا إطلاق فيها ولا تقييد ، ولا عموم فيها ولا خصوص ؛ وإنّما تدور مدار الأمر المرشد إليه سعة وضيقا . وقوله تعالى :
« وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا . . » .
احتجاج وتوبيخ عليهم في مخالفة ما يدركونه بعقولهم . ولا دليل على ما زعموا من أنّ المراد بالركوع هو الصّلاة المفروضة بالتعبّد المولويّ الشّرعيّ لاشتمال الصّلاة المفروضة للركوع ، تسمية للكلّ باسم جزئه . وأضعف منه ما استدلّ بقوله :
« ارْكَعُوا . . » .
على عموم الخطابات الشرعيّة للكافر والمؤمن . ووجه الضّعف : إنّ محلّ النزاع في هذا الباب هي الأحكام التعبّديّة . وأمّا الأحكام العقليّة المستقلّة ، فخارجة عن محلّ النزاع ولا فرق فيها بين الكافر والمؤمن . فإن الأوامر الإرشاديّة إرشاد إلى ما يدركه العقل . فإن كان المرشد إليه واجبا بحسب الواقع ، فيدركه العقل واجبا . وإن كان مندوبا ، فيدركه كذلك . فلا يدل الأمر على وجوب غير ما يدركه العقل واجبا . وقوله تعالى :
« لا يَرْكَعُونَ »
إبراز لاستنكارهم عن قبول الدّعوة وعنادهم ولجاجهم في تكذيب ما يعرفون من الحقّ المبين . وواضح أنّ الآية الكريمة في سياق الآيات السّابقة ومسوقة في تهديد الكفّار وتقريعهم على إنكارهم . وهذا وجه انطباق الآية الكريمة بالآيات السّابقة . ومنه يعلم ما يستحقّ من استنكف واستنكر الانقياد لسلطان الربّ - جلّ مجده - فقال - سبحانه - :
« وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ » ؛
أي : في يوم الفصل ، لمن يتعالى عن الركوع ويتعاظم عن الخضوع للحقّ وأعرض عنه . قوله تعالى :
« فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ
( 50 ) » . بيان : قال في القاموس 1 / 164 : حدث حدوثا وحداثة : نقيض قدم . وتضمّ داله إذا ذكر مع قدم . وحدثان الأمر - بالكسر - : أوّله وابتداؤه . فالمستفاد من عبارة القاموس أنّ الحادث والحديث والمحدث ما يقابل القديم وليس الحديث بمعنى الجديد الّذي يقابل الخلق . فإنّ العناية في الجديد تصدق إذا كان تجديد الشيء بعد اندراسه فصار جديدا ، أو كان جديدا ابتداءا ؛