تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣
وهذا دعاء من اللّه - سبحانه - لهم . أي : وليكن هنيئا لكم . ودعاؤه تعالى عين تحقّق ما يدعو في مورد الدعاء . أو : إنّ ذلك إخبار بأنّ ما يأكلون ويشربون من فواكه الجنّة ، يكون سائغا لهم . وعلى كلا الوجهين ، يكون ما يأكلون ويشربون سائغا ؛ أي : لا يتبع آفة وأذى ومرضا فيهم ؛ بل يكون قوّة وعافية ونشاطا . قوله تعالى :
« بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
( 43 ) » . ليس معنى الباء في الآية الكريمة المقابلة ، مثل قولنا : بعت هذا بهذا . فإنّ هذا خلاف التكريم والتشريف للوافد الّذي يريد إكرامه . فإنّ مرجعه أداء دين وإيفاء حقّ . بل الظّاهر أنّ السّياق سياق التشكّر والتقدير . فإنّه - سبحانه - شكور لا يضيع لديه أجر المحسنين ولا يضيع إيمان المؤمنين . أي : إنّكم آمنتم بربّكم ، حين كفر النّاس ؛ ووفيتم بعهده - سبحانه - حين نقضوا ونكثوا ؛ وأقبلتم إليه تعالى ، حين نكصوا وأدبروا ؛ وعملتم بفرائضه وسننه ، حين ضيّعوها وأهملوها . وهل يكون جزاء الإحسان إلّا الإحسان ؟ ! سيّما عند ربّنا الشكور الرؤوف المبتدئ بالإنعام والبادئ بالإكرام ! ولا دلالة في قوله :
« بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ »
على أنّ الجزاء في المقام على نحو الاستحقاق وعلى نحو الوجوب عليه تعالى . قال الرازيّ في تفسيره 30 / 283 - بتوضيح وتلخيص منّا - : إنّ الباء لا تدل على أزيد من ارتباط الجزاء بالعمل ارتباطا ما . وأمّا إنّه تعالى متفضّل بالجزاء أو مسؤول به ، فليطلب من أدلّة أخرى . أقول : ويؤيّد ذلك قوله تعالى :
« إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
( 44 ) » . فإنّه ثناء وتمجيد على نفسه القدّوس بأنّه يجزي للّذين أحسنوا الحسنى وزيادة خالدة متّصلة ؛ وليس عنده تعالى المتّقون كالفجّار . وفيه أيضا تعريض وتوبيخ وزجر للمسيئين . قوله تعالى :
« وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
( 45 ) » ؛ اي : يوم قرب المحسنون وبعد المسيئون ، وامتازت الأخيار من الأشرار ؛ وقد فاز الأخيار بكرامته تعالى ،
مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 383 | محمد باقر الملكي الميانجي