تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 379

مساهمون:

ص٣٧٩
30 / 282 ) أقول : لا شاهد ولا دليل للرازيّ في هذه الدعوى ، إلّا التشبّث بنظم الآيات . ولقائل أن يقول : أيّ موجب ودليل على أن يجعل تعالى كلامه في سورة واحدة من أوّلها إلى آخرها من سنخ واحد ؟ ! والوجه الثاني هو الوجيه . فإنّ الظّاهر : إنّه تعالى يحكي أحوال المتّقين في الجنّة ؛ وهو الغرض بالأصالة . وحسرة الكفّار من ذلك ، إذا شاهدوا كراماته تعالى على المتّقين ، لازم قهريّ خارج عن غرض الآية ؛ لا أنّه الغرض المسوق له الآيات . فإن قلت : فعلى ما ذكرت ، كيف يرتبط قوله تعالى :
« وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ »
بقوله تعالى :
« إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ » ؟
وأيّ موقع لهذا التهديد بعد البشارة للمتّقين بكراماته تعالى وحنانه ؟ قلت : إنّ يوم الفصل يوم يقرب فيه المحسنون ويبعد فيه المسيئون وتمتاز الأشرار من الأخيار . فلا محالة يجزي تعالى الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات إحسانا وزيادة والّذين عملوا السّيّئات بنقماته . فتفيد الآية بشارة للمحسنين وتهديدا للمكذّبين . قوله تعالى :
« الْمُتَّقِينَ » .
أي : الّذين يتّقون جميع ما يجب اتّقاؤه ؛ من الكفر بأنواعه ؛ ومن الشرك بأنواعه ، ومن ترك الواجبات ، ومن ارتكاب المحرّمات وغيرها ؛ إلّا أن يكون هناك دليل قاطع لتقييد هذا الإطلاق من عفوه تعالى وصفحه - سبحانه - عن بعض الذّنوب . فإن قلت : إنّ من يتّقي شيئا من هذه المآثم والمعاصي ، يصدق عليه أنّه متّق ؛ سواء كان متّقيا عن جميع ما يجب اتّقاؤه ، أو لا . قلت : نعم ؛ إلّا أنّ من يصدق عليه عنوان المتّقي بترك بعض المحرّمات ، كذلك يصدق عليه أنّه مجرم ومفسد من وجه آخر أيضا . فلا بدّ من تحكيم هذا العموم وأن يكون المراد من المتّقين الّذين يتّقون جميع أنواع الكفر والشرك وغيرهما من المعاصي . فلا دليل على القول بأنّ المراد من المتّقين من يتّقي