النطق والكلام ، وبين ما يدلّ على عدم النّطق وأنّه يختم على أفواههم فلا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون .
ولا يخفى أنّ الظّاهر في الآية الكريمة بقرينة المقام والسّياق : إنّ هذا الموقف والمورد ، موقف سوقهم إلى النار ، ومورد انطلاقهم إلى ظلّ ذي ثلاث شعب . فهذا اليوم يوم الخذلان ؛ فلا ناصر لهم ولا شفيع ، ويوم الذلّة . وقد سلبهم اللّه - سبحانه - ما قد كان وهبهم من العزّة والكبرياء ؛ فالموقف موقف الهوان . وقد هانوا على اللّه - سبحانه - فلا كرامة لهم ، ولا عهد لهم عند اللّه - سبحانه - بوجه .
وواضح أنّ ذلك الموقف بعد انقضاء موقف القضاء بالعدل ، وبعد يوم الفصل ؛ وقد أدحض اللّه - سبحانه - لهم كلّ حجّة ؛ وأبطل تعالى لهم كلّ ما يعتذرون به عن الكفر والعصيان . فما بقي موقع للنّطق والكلام . ولا مورد للاعتذار والخصام . فلو أرادوا حينئذ النطق والاعتذار ، فلا يؤذن لهم واستحقّوا عند ذلك أن يقال لهم : اخسؤوا ولا تكلّموني !
في البرهان 4 / 418 ، عن الكلينيّ بإسناده عن حمّاد بن عثمان قال :
سمعت أبا عبد اللّه - عليه السّلام - يقول : « ولا يؤذن لهم فيعتذرون » . فقال :
« اللّه أجلّ وأعدل وأعظم من أن يكون لعبده عذر لا يدعه يعتذر به .
ولكن فلج فلم يكن له عذر » .
قوله - عليه السّلام - : فلج ؛ أي : فاز وظفر على أعدائه يومئذ بالبراهين القيّمة ؛ ولم يبق لهم حجّة إلّا أدحضها ، ولا عذر إلّا أبطله . ويمكن أن يكون المراد من عدم الإذن وعدم النطق ، أي بحسب التكوين .
أقول : واضح أنّ الموقف موقف الخيبة الخاذلة والويل الدائم ؛ وقد استحقّوا ذلك بسوء صنيعهم فقال - سبحانه - :
« وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
( 37 ) » .
أي : يوم يساقون إلى النّار وليس لهم مجال كلام ولا اعتذار .
قوله تعالى :
« هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ
( 38 ) » .
الخطاب للمكذّبين ؛ من حضر منهم ومن لم يحضر ، تهديدا إيّاهم . وصرّح تعالى أنّه يجمع معهم المكذّبين من الأمم السّابقة أيضا . لأنّ سنّته تعالى في