مدّة الحمل ونشوء الولد فيه خلقا بعد خلق . كلّ ذلك بتقدير العليم الحكيم .
وقد مجّد تعالى نفسه بفعل هذا الصّنع البديع الحكيم بقوله :
« فَنِعْمَ الْقادِرُونَ »
نحن ؛ أي : نعم المقدّرون . والتعبير بلفظ الجمع للتّعظيم في سياق كلام العظماء ؛ مثل قوله :
« وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ » .
( الذاريات / 48 ) وقد جرت سنّته تعالى على ذلك السّياق في كتابه الكريم ؛ وتكلّم بلسان الألوهيّة والكبرياء وعبرّ عن نفسه كثيرا بلفظ الجمع إلّا في موارد خاصّة بعنايات خاصّة .
الوجه الثّاني : أن يكون قوله تعالى :
« فَقَدَرْنا »
من القدرة . أي :
خلقناكم . . . فقدرنا على ذلك ؛ أي : إنّا نقدر على ذلك ، فنعم القادرون نحن .
الوجه الثّالث : قال الرازيّ في تفسيره 30 / 273 : قرأ نافع وعبد اللّه بن عامر بالتشديد ؛ والباقون بالتخفيف .
أقول : من أخذ بقراءة التشديد في قوله تعالى :
« فَقَدَرْنا » ،
فاستشكل عليه بأنّه يجب أن يلتزم بأن يقول في قوله تعالى :
« فَنِعْمَ الْقادِرُونَ » :
فنعم المقدّرون .
وأجيب عنه أنّ ذلك من باب الجمع بين المعنيين ؛ كما في قوله تعالى :
« أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً » .
( الطارق / 17 ) فأخذ قوله :
« فَقَدَرْنا »
من باب التفعيل ، وقوله تعالى :
« فَنِعْمَ الْقادِرُونَ »
من باب قدر يقدر .
والظّاهر أنّ الصّواب هو الوجه الأوّل والأخذ بالقراءة المشهورة ؛ لاحتياج الوجه الثاني إلى التكلّف في توجيه قوله تعالى :
« فَقَدَرْنا »
بلفظ الماضي ، واحتياج الوجه الثالث إلى الجمع بين المعنيين . وكلا التوجهين غير واضح .
ومتعلّق التقدير هو خلق الإنسان من الماء المهين ، وجعله في قرار مكين ، ومكثه فيه إلى قدر معلوم . وأمّا ما يقال من شمول الآية لتصوير الإنسان دميما أو وجيها أو قصيرا أو طويلا كما ورد في تفسير الرازي 30 / 272 ، فغير معلوم ؛ وإن كان هذا حقّا في حدّ نفسه بحسب الأدلّة الأخرى ، إلّا أنّه لا بدّ من التقدير في كلّ طور من أطوار الخلقة بحسب قوله تعالى :
« هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي