وقد ذكرنا في الأبحاث السّابقة أنّ هذه الآية ونظائرها ، لا تنافي الآيات الدالّة على خلق الإنسان من التّراب . لأنّ كلّا منها من المراتب الطّوليّة في خلق الإنسان . وكذلك كلتا الطّائفتين من الآيات ، لا تنافيان قوله تعالى :
« هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً »
( الدّهر / 1 )
قوله تعالى :
« فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ
( 21 ) » .
الضّمير للماء . والقرار مصدر أريد منه المقرّ . وقد فسّره في المجمع بالمكان .
والمكين اسم فاعل من مكن يمكن . والظّاهر أنّه صفة للقرار باعتبار ما يستقرّ فيه ؛ أعني الماء . أي : في قرار مكين فيه الماء ، أي ماكث .
قوله تعالى :
« إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ
( 22 ) » .
الظّاهر أنّ المراد المقدار والحدّ . قال في القاموس 2 / 114 : القدر : مبلغ الشيء .
وهذا المقدار والحدّ بالنسبة إلى كلّ نفس ، معلوم عنده - سبحانه - بحسب أيّامه وساعاته ولحظاته وآنائه بخصوصها . فإنّه - سبحانه - هو المقدّر لهذا الوقت .
« أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ » .
( الملك / 14 )
قوله تعالى :
« فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ
( 23 ) » .
فيه ثلاثة وجوه :
الأوّل : أن يكون قوله تعالى :
« فَقَدَرْنا »
بمعنى التقدير . قال في القاموس 2 / 114 : القدر - محرّكة - : القضاء والحكم ومبلغ الشيء . . .
وقدر اللّه تعالى ذلك عليه يقدره ويقدره قدرا وقدرا وقدّره عليه وله .
أقول : وقد استعمل بهذا المعنى في القرآن الكريم . قال تعالى :
« إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ » .
( القدر / 1 )
« قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً » .
( الطّلاق / 3 )
« إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ » .
( القمر / 49 )
« وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ » .
( الحجر / 21 )
فعليه فالمعنى : إنّا خلقناكم . وقدّرنا خلقكم من هذا الماء المهين ؛ وهو النطفة . وجعلناه في مقرّ مكين ؛ وهو الرحم . ومكث فيه إلى قدر معلوم ؛ وهو