تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 366

مساهمون:

ص٣٦٦
إشارة إلى ما تقدّم في الآيتين ؛ من إهلاك الظّالمين والطّاغين من الأوّلين والآخرين . وهذا تمجيد منه تعالى على نفسه أنّه لم يهمل عنده الأمور ؛ ولا تسامح ولا تغافل منه تعالى في شئ من دقائق التدبير والقضاء بالعدل . وقد أخبر تعالى أنّ هذا مجده الدائم ومن سننه الجارية ، من غير فرق بين قرن وقرن وبين الدنيا والآخرة ، إلى أن يقع الجزاء على النحو الأوفى ويقع كلّ حقّ في محلّه ومقرّه . وهذه الجملة المباركة تهديد للمكذّبين بنكال الدّنيا وعذاب الآخرة . قوله تعالى :
« وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
( 19 ) » . هذا بمنزلة التّفريع والنّتيجة ممّا تقدّم . أي : بعد وضوح الدلائل وسطوع البراهين على نكاله تعالى وبأسه الشّديد على المكذّبين في الدنيا وفي الآخرة ، وعلى صحّة وقوع يوم الفصل ، فلا مسوّغ لهم لتكذيبهم الرّسل . فالويل لهم يوم يحكم اللّه ربّ العالمين . أو يقال : إنّ قضيّة العدل والحكم بالقسط ، تقضي وتحكم باستحقاق المكذّبين العقاب في الدنيا والآخرة . قوله تعالى :
« أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ
( 20 ) » . الهمزة للاستفهام ؛ أريد به إلزام المخاطبين على الإقرار والاعتراف بقدرته تعالى وحسن إنعامه تعالى عليهم ، وتوبيخهم على الكفران والإنكار . والخلق بمعنى التقدير ؛ كما صرّح به أهل اللّغة وذكره في المرآة / 143 وقال : إنّه استعمل في مورد الإيجاد أيضا . أقول : الخلق إن قلنا إنّه استعمل في الإيجاد ، فالظّاهر أنّه الإيجاد عن تقدير . وقوله تعالى :
« مَهِينٍ »
صفة مشبّهة أي : القليل والحقير من مهن يمهن . وفي لسان العرب 13 / 212 : وامتهن نفسه : ابتذلها . وفيه تقريع شديد وتوبيخ على المكذّبين أنّه تعالى قد خلق من هذا الماء المهين إنسانا في أحسن صورة وأحسن تقويم ذا شعور وإرادة وكمال وجلال وجمال ومهابة ووقار وعزّة وكبرياء وغيرها من آثار فضله وقدرته - سبحانه - الّتي لا ينكرها إلّا معاند أو مكابر .