تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 365

مساهمون:

ص٣٦٥
تعالى من الأخرى ؛ ولا بعضها أشقّ وأصعب عليه - سبحانه - دون بعض . فالمشهود من هذه الصنائع والسّنن ، دليل قاطع عند أولي الألباب على كون المستور منها مقدورا للّه - سبحانه - وكونه تعالى متوحّدا ومتفرّدا في جميع ذلك . قوله تعالى :
« أَ لَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ( 16 ) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ
( 17 ) » . احتجاج وتخويف وإنذار . و « لم » من الحروف الجازمة الّتي تفيد نفي صيغة المضارع في الماضي . وحيث إنّ المقام مقام الاحتجاج ، أراد بالاستفهام إلزام المخاطبين على الإقرار والاعتراف ، وتوبيخ المكذّبين وتشنيعهم على الإنكار والتكذيب لأمر قد ثبت عندهم بالبرهان والوجدان ، بأنّ المهلك هو اللّه - سبحانه - وحده . والمراد بالأوّلين كلّ من كذّب الرسل فيما جاؤوا به من عند اللّه أو في بعض ما جاؤوا به من المعارف والأحكام . ولا يجوز أن يقال إنّ المراد بالأوّلين هم الأقدمون من الماضين ؛ بل يشمل جميع المكذّبين الّذين أهلكم اللّه بذنوبهم قبل زمان الرّسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . وقوله :
« ثُمَّ »
للاستيناف . ذكره في الكشّاف 4 / 203 ، وفي المجمع 10 / 416 . وقوله : « نتبع » بالرفع على الاستقبال ؛ وليس معطوفا على قوله :
« نُهْلِكِ »
كي يكون مجزوما وبمعنى الماضي ويكون المراد بالآخرين ، المتأخّرين من الأمم الّتي أهلكهم اللّه بذنوبهم ؛ كما قيل : إنّ المراد بالأوّلين قوم نوح وعاد وثمود ؛ وبالآخرين مثل قوم إبراهيم ولوط ( انظر : الكشّاف 4 / 203 ) فالحقّ أنّ قوله « نتبع » - بالرفع ، على القراءة المشهورة - نصّ في الاستقبال ؛ ويكون المراد بالآخرين هم المتأخّرون بعد زمان الرسول - صلّى اللّه عليه وآله - من الطغاة وفراعنة الأرض وأتباعهم إلى يوم القيامة . وهذه السنّة المقدّسة الإلهيّة ، جارية في الأوّلين والآخرين في كلّ عصر وفي كل قرن بعد قرن . وهي من آيات قدرته ومن براهين كبريائه وجلاله - جلّ جلاله . قوله تعالى :
« كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ
( 18 ) » .
مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 365 | محمد باقر الملكي الميانجي