وفيه أنّه لمّا تبيّن لنا بعد العناية في العطف بالفاء في هذه الآيات . واللّه العالم . ولا دليل على ما ذكره القفّال دليلا قطعيّا أو بحيث يطمئنّ إليه النفس .
وقال ابن هشام في المغني / 83 ، بعد ما ذكر معنى الفاء العاطفة من الترتيب المعنويّ والذكريّ : . . . وقال الفرّاء : لا تفيد الترتيب مطلقا . وهذا مع قوله إنّ الواو تفيد الترتيب ، غريب . واحتجّ بقوله تعالى :
« أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ » .
( الأعراف / 4 )
أقول : الظّاهر أنّ بعض الموارد الّتي استدلوا بها على الترتيب ، إنّما يستفاد الترتيب بمناسبة المورد والمقام ، لا بحسب دلالة الفاء . فأيّ محصّل لتقرير الترتيب في هذه الآيات المبحوث عنها ، بين إلقاء الذكر على الأنبياء ، وبين نشره في أطراف العالم ؟ ! فلا دلالة فيها غير أنّ الصّفات المعطوفة من نعوت المعطوفة عليها ومن شؤونها وأفعالها .
وكيف كان ، لمّا كان قوله تعالى :
« فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً »
كالنصّ بأنّ المراد منه الملائكة ، يكون عطفها على الناشرات ، أو على الفارقات ، قرينة واضحة أخرى على أنّ المراد من الناشرات والفارقات هي الملائكة .
والإلقاء : طرح الشيء إلى الغير . والتلقّي : أخذه بالقبول عن الغير . والمراد منه في أمثال المقام الإفاضة والتعليم بالقراءة ، والتعليم بالإيحاء والإلهام . قال تعالى :
« وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ » .
( النمل / 6 )
والذكر من الألفاظ الشائعة في الكتاب والسنّة . والمراد منه العلم في مقابل الجهل والضّلال . والذكر بهذا المعنى وبإطلاقه ، شامل لجميع أنواع العلوم المفاضة من اللّه - سبحانه - مع الواسطة أو بدونها ؛ مثل معرفة اللّه ومعرفة توحيده ونعوته وكمالاته وغير ذلك .
إلّا أنّ المراد منها في المقام ، الرسالة والحقائق المفاضة على الإنسان الرسول بوساطة الملك والرسول يشافهه ويكلّمه قبلا . فلا يشمل ما يتلقّى بالنبوّة ؛ بناءا على ما قيل إنّها عبارة عن الوحي المتلقّى من اللّه بلا واسطة الملك .