والإرسال والبلاغ . فالرياح تنشر السحاب وتبسطها في الجوّ بأمر اللّه ، طبق سنّته المقدّسة ؛ وتبسط الأمطار في أقطار الأرض . وهي من العوامل المسخّرة لهذا الشأن .
وقيل : إنّ المراد بالناشرات الملائكة ؛ باعتبار أنّهم مأمورون بنشر العلوم والشرائع والأحكام ، ويبسطون كلمة الحقّ والصّدق في أقطار الأرض بوساطة الأنبياء والرسل ، طبق السنّة المقدّسة الجارية الإلهيّة المصونة المعصومة عن الخطأ والتحريف . ( انظر : تفسير الرازي 30 / 267 )
أقول : وهذا القول هو الأشبه في هذا المقام . ويشعر بذلك قوله تعالى :
« فَالْفارِقاتِ فَرْقاً »
من حيث عطفه على الناشرات بالفاء المشعرة بالتفريع والترتيب . أي : نشرن ففرقن .
والمصداق البارز الواضح من هذا التفريق بوساطة هؤلاء الفارقات ، هو الفرقان المبين والقرآن الكريم . وهو المرجع الأصيل المعصوم بذاته لأهل العالم اليوم . وهو الحجّة بذاته على ذاته ؛ الفارق بحجّيّتة بين الحقّ والباطل والصّدق والكذب وبالجملة كلّ ما اختلف فيه الناس في شؤون دينهم ودنياهم . وهو المهيمن على جميع ما ينسب إلى الأنبياء السّابقين من الحقائق والعلم ، والحاكم بين الناس فيما اختلفوا فيه . قال تعالى :
« شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ » .
( البقرة / 185 )
« وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ » .
( آل عمران / 3 )
« وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ » .
( المائدة / 48 )
وضروريّ أنّ الفرقان بما أنّه فرقان بين الحقّ والباطل حجّة وبرهان على نفسه أنّه الحقّ المبين وأنّه كتاب لا ريب فيه هدى للمتّقين . وكيف يمكن ما هو برهان بالذات على تفريق الحقّ من الباطل ، أن لا يكون برهانا على نفسه ؟ ! وقد وصف تعالى القرآن نفسه بأنّه نور وهداية وتذكرة وذكرى وبيّنة وبصائر وضياء وغيرها . وقد قال - سبحانه - :