الشدّة والإهلاك . فالعاصفة ؛ أي : الشديدة القويّة المهلكة ، أو الشديدة فقط من غير عناية الهلاك . وهي لشدّة بطشها وقوّتها وسمومها ما تمرّ بشيء إلّا جعلته كعصف مأكول ؛ وتقلع الأشجار وتزيل الجبال . ولمّا يعلم ولمّا يتبيّن بعد أنّ في العاصفة العناية لسرعة سيرها .
ولو فرضنا أنّ في العاصفة العناية بسرعة السّير - على ما ذكروه في مورد الإبل والفرس - وفرضنا أنّ الريح لم تسمّ عاصفة إلّا لشدّة سيرها وشدّة سرعتها ، فلا مورد لتشبيه الملائكة بالرياح ، من حيث سرعة سير الملائكة . ضرورة أنّ منهم من كان حاملا لعرش الحياة والقدرة ، فيقدرون - بإذن اللّه تعالى وبإقداره تعالى إيّاهم - على العمل والسّير السريع ما لا يعلم إلّا اللّه - سبحانه - وأولياؤه العالمون به . وهذا السّير والعمل بالإرادة والقدرة ، نظير ما عمل من عنده علم من الكتاب في قصّة إتيان ملكة سبأ مع عرشها إلى سليمان . فلا تناسب بين سير الملائكة بالقدرة ، وسير الرياح العاصفة بالعوامل الطبيعيّة . ومن قال من باب المبالغة والإفراط في التشبيه إنّ سير الرياح مثل سير الملائكة ، لكان له وجه لو كان له العلم بسير الملائكة سرعة وبطوءا .
فتحصّل في المقام أنّ الأولى في تفسير الآية الكريمة ، إبقاء هذا اللّفظ على معناه اللّغوي ، وجعله نعتا وصفة للرّياح ؛ كما في غير المقام في القرآن الكريم . قال تعالى :
« وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ » .
( الأنبياء / 81 )
وبما ذكرنا يؤيّد أنّه لا يجوز تفسير المرسلات بالملائكة ، اعتمادا على أنّ المراد بالعاصفات الملائكة . بل ما ذكرنا قرينة وشاهد على أنّ المرسلات نوع خاصّ من الرياح في مقابل العاصفات .
قوله تعالى :
« وَالنَّاشِراتِ نَشْراً ( 3 ) فَالْفارِقاتِ فَرْقاً
( 4 ) » .
قال في المجمع 10 / 415 : وهي الرياح الّتي تأتي بالمطر تنشر السحاب نشرا للغيث ، كما تلقحه للمطر .
أقول : الظّاهر أنّ المراد بالنشر ليس ما هو المنسبق إلى الذّهن من معنى النشر الذي يقال بالفارسيّة : « پراكنده كردن » . بل الظّاهر أنّه البسط
و