« يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً » .
( النساء / 174 )
فعلى ذلك ، فلا يمكن أن يخالطه الباطل ؛ ويستحيل أن يداخله الكذب .
مثلا : ينادي القرآن الكريم بندائه العامّ ويخاطب أهل العالم ويحتجّ عليهم أنّه - سبحانه - عالم وشاهد ورقيب وحفيظ على كلّ نفس بما كسبت . وإن يك مثقال ذرّة في السّموات وفي الأرض ، يعلمه اللّه تعالى ويشاهده عيانا . ومن أراد تحميل الفرضيّة الّتي هي إنّ اللّه لا يعلم الأشياء إلّا على سبيل العلم الحصولي ولا يعلم الجزئيّات الحادثة إلّا على سبيل الحكم ، على القرآن الكريم ، يدفعه القرآن المبين عن نفسه ويطرده عن حريم قدسه .
قوله تعالى :
« فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً
( 5 ) » .
الظّاهر أنّه عطف على الناشرات . أي : نشرن ففرقن وألقين الذكر . فإنّ الصفات المعطوفة بالفاء في أمثال المقام ، سواء كانت واحدة أو أكثر ، كلّها من صفات ما عطفت عليه ومن أفعاله ؛ وهو الّذى أقسم تعالى به . وعلى هذا ، يكون ما يقسم به في هذه الآيات قوله :
« وَالْمُرْسَلاتِ »
« وَالنَّاشِراتِ » ؛
والمعطوفات عليهما من صفاتهما ونعوتهما .
ويمكن أن يقال : إنّ الفارقات عطف على الناشرات . والملقيات عطف على الفارقات . وكلاهما ممّا وقع القسم بهما . إذ لا منافاة بين كونهما معطوفتين بالفاء ، وبين كونهما مستقلّتين من حيث وصفهما ونعتهما في حدّ نفسه .
قال الرازيّ في تفسيره 30 / 267 : قال القفّال : الوجه في دخول الفاء في بعض ما وقع به القسم ، والواو في بعض ، مبنيّ على الأصل . وهو أنّ عند أهل اللّغة ، الفاء تقتضي الوصل والتعلّق . فإذا قيل : قام زيد فذهب ؛ فالمعنى أنّه قام ليذهب . فكان قيامه سببا لذهابه ومتّصلا به . وإذا قيل : قام وذهب ؛ فهما خبران ، كلّ واحد منهما قائم بنفسه لا يتعلّق بالآخر .
أقول : ثمّ إنّ الرازيّ اختار قول القفّال في معنى الفاء العاطفة ؛ وأخذ في تقرير التعلّق والترتيب بما لا يخلو من التكلّف ؛ وسكت عن ذكر الملقيات ذكرا . فكأنّه رأى أنّ الملقيات مقدّم زمانا ورتبة على النشر والفرق .