رحيميّته ورحمانيّته تعالى ؛ ينتفع بها الكلّ ؛ المؤمن والكافر والوليّ والعدوّ . وبها تلقح الأشجار وتطيب الثمار وهي تثير السحاب الثقال ؛ وتكون مبشّرات بين يدي رحمته - جلّ ثناؤه .
وهذا هو المتناسب لقوله تعالى :
« عُرْفاً » ؛
بناءا على أنّ المراد متتابعا ومتّصلا لا تنقطع أمواج الرياح بعضها عن بعض . فالقدر المتيقّن منها هي الرياح المتّصلة المستمرّة أيّاما وليالي .
واحتمال أنّ المراد بها الملائكة ، فبعيد جدّا ؛ لعدم تحقّق معنى قوله تعالى :
« عُرْفاً »
- بناءا على أنّ الملائكة أجسام لطيفة أو أنّها جواهر مجرّدة - إلّا بضرب من المجاز والتأويل .
ويؤيّد ما ذكرنا أيضا مقابلة قوله تعالى :
« وَالْمُرْسَلاتِ »
بقوله تعالى :
« فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً » .
فإنّ العاصفات هي الرياح الشّديدة الضارّة . وتوجيه ذلك بأنّ المراد بالعاصفات هي الملائكة ، تشبيها إيّاها بالرياح الشّديدة ، لسرعة سيرها إلى ما أمرت به ، ضعيف لا دليل عليه من ظاهر الآية الكريمة ؛ إلّا أن يقال : إنّ كلّ واحد من هذه الصّفات المذكورة في هذه الآيات نعت خاصّ لقبيل خاصّ من قبائل الملائكة ، على ما سنشير إليه - إن شاء اللّه .
فتحصّل من جميع ما ذكرناه أنّ الآية الكريمة مشعرة إشعارا قويّا يقرب من الظهور أنّ المراد بالمرسلات هي الرياح المباركة النافعة .
قوله تعالى :
« فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً
( 2 ) » .
عطف على قوله تعالى :
« وَالْمُرْسَلاتِ » .
قد قيل : إنّ المراد بها هي الملائكة ، تشبيها إيّاها بالرياح العاصفة الشّديدة ؛ لسرعة سيرها إلى ما أرسلت إليه ، كما أنّ الرياح الشّديدة سيرها تسرع إلى ما أمرت أن تمرّ عليه .
قال في القاموس 3 / 175 : العصف : بقل الزرع . وقد أعصف الزرع و
« كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ » ؛
أي : كزرع أكل حبّه وبقي تبنه . أو : كورق أخذ ما كان فيه وبقي هو لا حبّ فيه . . . وعصفت الريح تعصف عصفا وعصوفا : اشتدّت ، فهي عاصفة وعاصف وعصوف .
أقول : إنّ العناية في عصف وما يشتقّ منها في مورد الريح والرياح ، هي