تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 344

مساهمون:

ص٣٤٤
مشيّة اللّه - سبحانه - بإفاضة الحياة والقدرة والشّعور والاستطاعة عليه وتخلية السبيل بينه وبين الفعل ، وبين القول بأنّ فعل العبد مشاء بمشيّة اللّه وأنّ نسبة الفعل إلى العبد مثل نسبة الكتابة إلى القلم ، وبين القول بأنّ المشيّة موكولة إلى العبد يفعل ما يشاء من غير شرط ولا استثناء . فصريح الآية الكريمة هو الفرض الأوّل . ضرورة أنّ قوله تعالى :
« وَما تَشاؤُنَ »
يفيد النفي على الإطلاق ؛ والاستثناء من الأمر المنفيّ المطلق ، يفيد إثبات شيء من الأمر المنفيّ المطلق ، وهو إثبات المشيّة للنّاس بمشيّة اللّه - سبحانه . في الكافي 1 / 152 : محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال : قال أبو الحسن الرضا - عليه السّلام - : « قال اللّه : [ يا ] ابن آدم ، بمشيئتي كنت أنت الّذي تشاء لنفسك ما تشاء » . وقوله تعالى :
« إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ » ؛
أي : يشاء اللّه - سبحانه - المشيّة لكم . والمعنى : إنّكم لا تقدرون على شيء إلّا على ما أقدركم اللّه . ولا تملكون شيئا من مشيّة الفعل ، إلّا ما ملّكها اللّه إيّاكم . وحيث إنّ تلك المالكيّة بتمليكه تعالى حدوثا وبقاءا ، فلا محالة يكون في طول مالكيّته تعالى وهو - سبحانه - أملك . فيبطل التفويض الّذي سيقت الآية الكريمة لإبطاله . ويبطل الجبر أيضا . ضرورة أنّ العبد بمالكيّته الاستطاعة ، يملك كلا طرفي الفعل والترك فيعلّل الفعل والترك بالاستطاعة الّتي يملكها باللّه . فإن قلت : فما تقول فيما قيل : إنّ الفعل الاختياريّ ما يكون مسبوقا بالإرادة وإن لم يكن الإرادة اختيارية بل مسبوقة ومعلولة بالإرادة الأزليّة القاهرة . قلت : هذا قول باطل وإنّما هو بناء على أنّ الفعل مشاء بالمشيّة الأزليّة والإرادة قبل الفعل أيضا كذلك ؛ وهي مقدّمة لإيجاد الفعل بإيجاب اللّه تعالى . ولا يخفى أنّ المشاء في قوله تعالى :
« إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ »
هي مشيّة الناس واستطاعتهم بإقدار اللّه تعالى إيّاهم بالحقيقة على الفعل والترك .