تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 346

مساهمون:

ص٣٤٦
والجواب : إنّ في البيان مغالطة واضحة . فإنّ الآية الكريمة مسوقة لإبطال التفويض والتحفّظ على التوحيد . وقد غفل الرازيّ أو تغافل أنّ مورد النفي والإثبات في الآية الكريمة ، هو مقالة المفوّضة بعينها ؛ أي : المشيّة على الفعل وأضداده وتروكه جميعا . والآية الكريمة لنفي استقلالهم وإنكار عزلة اللّه تعالى عن هذه المشيّة الواسعة المطلقة ، لا تحديد المشيّة بالفعل أو الترك . وممّا ذكرنا يعلم أنّ الآية الكريمة أدلّ برهان على إبطال الجبر ، كما أنّها أوضح دليل على بطلان التفويض . فإنّها صريحة في إثبات المشيّة على الفعل والترك ونفي استقلالهم فيهما . قوله تعالى :
« إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً
( 30 ) » . الظّاهر أنّ هذا البيان في مرحلة التعليل لما تقدّم من مفاد الآيات السّابقة ؛ أي : إنزال السّورة أو الآيات تذكرة للمتّقين والمؤمنين وحجّة على المنكرين في اتّخاذ السبيل إلى ربّ العالمين . وإعطاء هذه الاستطاعة والمشيّة كمال ومجد حقيقيّ ، إكراما وإجلالا لقوم ، وإملاءا واستدراجا للآخرين . وكذلك تعليل لتقدير هذه العطيّة الكبرى وتدبيره وإفاضته على الأرواح البشريّة على نظم وتقدير ، تقدير العليم الحكيم ، على وجه يتحيّر فيه العقول . ولا يعرف كنه هذا التمليك وحقيقته ، إلّا اللّه - سبحانه . ولا يقدر على إحصاء لطائف الصّنع في هذا العطاء الكبير وكذلك في سائر الموارد الّتي يفيض تعالى فيها إمداده إلى غيره ، إلّا هو - سبحانه وتعالى . قوله تعالى :
« يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ » .
لا ريب أنّ اختصاصه تعالى أحدا من عباده برحمته ، ليس على سبيل المجازفة والصّدفة ؛ بل كلّ واحد من موارد الاختصاص والاصطفاء منوط بجهات ومصالح عمديّة علميّة حكيمة . وكذلك الاختصاص بالفضل الابتدائيّ . فإنّ الابتداء بالفضل من الأغراض الحكيمة الأصلية . وواضح أنّ هذه المرجّحات لا توجب إيجاب الفعل على الفاعل القادر الحكيم . لأنّها في طول القدرة والقدرة حاكمة عليها ، فلا تؤثّر في فاعليّة