تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 341

مساهمون:

ص٣٤١
لما تقدّم . أي : إنّ كفرهم وإنكارهم ليس لأجل شبهة دينيّة أو ترديد في الحقّ كي ينتفعوا بالدلائل والبراهين . وإنّما كان منشأ ذلك حبّهم للدّنيا الخسيسة . والظاهر من بعض المفسّرين أنّ هؤلاء إشارة إلى الأثمة والكفر منهم ، وأنّ هذه الجملة بمنزلة التّعليل لقوله :
« لا تُطِعْ » .
أي : لا تطعهم ؛ لأنّهم يحبّون العاجلة . وفيه أنّه لا ارتباط تشريعا ولا تكوينا بين طاعة الآثم والكفور وبين حبّهم للدّنيا . فإنّ مرجع ذلك : لا تطع من كان يحبّ الدنيا . ولو كان المراد : لا تطع الآثم والكفور في إثمهم وكفرهم فحينئذ لا حاجة إلى التّعليل المذكور . فإنّ إطاعة الآثم والكفور إثم أو كفر وهو حرام بالضّرورة . أقول : والوجه الأحسن ما ذكره الرازيّ . وهو الظّاهر من الآية الكريمة . قوله تعالى :
« وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا
( 27 ) » لا ريب أنّ هذا اليوم الثقيل أمام النّاس في المستقبل وسيلقونه في مسيرهم إلى ربّ العالمين للعرض الأكبر على اللّه وهو الحساب بين يدي ربّهم - سبحانه . والوراء قد استعمل بمعنى الخلف وبمعنى الأمام . ولعلّ المراد هنا هو الأوّل والمعنى : إنّ هذا اليوم الّذي أمام النّاس قد تركوا الإيمان به والعمل له ، فنبذوه وراء ظهورهم . و
« ثَقِيلًا »
صفة لليوم . وكون اليوم ثقيلا ، لعلّه لشدّة أهواله ودواهيه وأنّه يعظم على الناس ويثقل عليهم تحمّل تلك الشّدائد الكبار . قوله تعالى :
« نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ » .
قد أوضحنا في الأبحاث السّابقة أنّ الخلق بمعنى التقدير . ولا ريب أيضا بحسب الاستقراء استعماله في الإيجاد . وذكرنا أنّ الظّاهر في أمثال المقام ، هو الإيجاد عن تقدير . فقوله تعالى :
« خَلَقْناهُمْ » ؛
أي : أنشأناهم عن تقدير . وبعبارة أخرى : قدّرناهم وأنشأناهم . وقوله تعالى :
« وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ »
قال في القاموس 1 / 364 : الأسر :