الشدّ والعصب ، وشدّة الخلق والخلق .
أقول : الشدّ ارتباط بعض الأعضاء ببعض واتّصالها كذلك ، وتنظيم هذه الأعصاب والمفاصل وارتباطها مع الأخرى . والمعنى : قوّينا وأحكمنا هذا الشدّ حتى تمكّنوا من الأعمال والأفعال في تنظيم معائشهم وإدامة حياتهم .
والآية الكريمة مسوقة لبيان نفوذ قدرته وسلطانه عليهم وأنّ هذه النّعم من الصحّة والقوّة والشدّة ، إنّما أجراها تعالى وأفاضها عليهم استدراجا واملاءا ، لينظر كيف يعملون .
قوله تعالى :
« وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا
( 28 ) » .
أي : نهلك هؤلاء الجفاة الطّغاة ونأتي بأمثالهم مكانهم . وهذا التبديل منوط ومتوقّف بمشيّته تعالى ؛ إذا شاء يبدّلهم بأمثالهم . وهذا التبديل بالأمثال ، هل كان مشاء قبل هلاكهم ، أو عقيب هلاكهم بمشيّة حادثة ؟ الظّاهر هو الثاني .
وقيل : إنّ الآية الكريمة في سياق قوله تعالى :
« إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ »
( إبراهيم / 19 ) وقوله تعالى :
« إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ » .
( النساء / 133 )
أقول : لا كلام في أنّ الآيتين ونظائرهما مسوقة لبيان نفوذ مشيّته تعالى وسلطانه على إنشاء ما شاء من الأشياء وعلى نقائضها إن شاء وإذا شاء بمشيّة حادثة جديدة . إلّا أنّ الفرق بين هذه الآيات وبين الآية المبحوثة ، هو الفرق بين « إذا » الشّرطية وبين « إن » الشّرطيّة .
قال في الكشّاف 4 / 201 : وحقّه أن يجيء ب « إن » لا ب
« إِذا » .
وأنكر عليه الرازيّ في تفسيره 30 / 261 بأنّ هذا طعن في لفظ القرآن .
وأخذ في بيان الفرق بين « إن » و « إذا » . ومحصّل كلامه : إنّه لا فرق بينهما من جهة إفادة معنى الشّرط . وإنّما الفرق بينهما من جهة أخرى .
قوله تعالى :
« إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ » .
قيل : إنّ الإشارة إلى السّورة أو الآيات . والتذكرة هو إيقاظ الإنسان عن الغفلة والسّكرة وتوجيه الإنسان إلى ما يعلمه بصراحة عقله وبداهة فطرته .