وليس الفعل والترك إلّا بهذه الاستطاعة ؛ وهي العلّة الحقيقيّة للفعل والترك ، والفعل والترك معلول لها . فينقطع العلل .
ثمّ إنّ إطلاق الآية الكريمة ، شامل للأعمال والسّنن الجارية في العالم بواسطة الملائكة المدبّرين والموكّلين ببعض الأمور وإجراء هذه السّنن . مثلا ملك الموت القابض للأرواح بشخصه أو بأعوانه ، يفعل ما يفعل بالاستطاعة والقدرة المفاضة عليه . فما يشاؤون شيئا إلّا أن يشاء اللّه مشيّتهم واستطاعتهم ، فيعملون بها بأمر اللّه . فهؤلاء الكرام الأبرار عباد معصومون بحسب التكليف ، لا بحسب التكوين .
وذكر بعض المفسّرين أنّ هؤلاء وسائط فعله تعالى ؛ ونسبة الفعل إليهم مثل نسبة الكتابة إلى القلم . وهذا البيان خلاف ما هو صريح الكتاب والسّنة أنهم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون .
والآية الكريمة نظيرة قوله تعالى :
« إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ . لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ . وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ » .
( التكوير / 27 - 29 )
وقد ارتكب الزمخشريّ في تفسيره 4 / 201 تأويلا باردا . قال ما مضمونه : إنّ قوله تعالى :
« ما تَشاؤُنَ » ؛
أي : ما تشاؤون باختياركم . وقوله تعالى :
« إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ » ؛
أي : يشاء تعالى إجباركم عليه وإلجاءكم إليه .
وفيه أنّه لا دليل على أنّ قوله تعالى :
« وَما تَشاؤُنَ »
إخبار عن حال الناس وأنّهم جميعا لا يختارون اتّخاذ السبيل . وكيف يصحّ هذا النفي وفيهم المؤمن والمهتدي ؟ ! ولا دليل أيضا على أنّ قوله :
« إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ »
معناه :
يشاء تعالى إجباركم على اتّخاذ السبيل وإلجاءكم عليه . كيف وفيهم من لا يحتاج إلى الإجبار والإلجاء ؟ ! وكيف يصحّ تأويل الاستثناء بالاستثناء المنقطع ؟ !
وقال الرازيّ في تفسيره 30 / 262 ما خلاصته : إنّ الآية تقتضي أن تكون مشيّته تعالى مستلزمة لمشيّة العبد . ومستلزم المستلزم ، مستلزم . فإذا مشيّته تعالى مستلزمة لفعل العبد . وهو الجبر .