الحقيقيّة والمشاهدة التامّة عن قريب . ولا يكفي في ذلك النظر ورمي البصر .
وقوله تعالى :
« ثَمَّ »
ظرف مكان أريد به الجنان ؛ دار الكرامة ومقرّ النعمة .
قوله تعالى :
« نَعِيماً » .
أقول : لا سبيل لنا إلى معرفة هذا النعيم ومشاهدة غيره من الحقائق الأخرويّة ، إلّا ما بيّنه اللّه تعالى في كتابه الكريم . وقد بيّن اللّه - سبحانه - لعباده وفتح لهم أبواب المعارف إلى حقيقة الجنّة ونعمائها ، بمحكمات كتابه وبيّنات آياته ؛ وفيه نور للمستبصرين وهداية للمهتدين . ولا يرتاب فقيه أنّ هذا أصل أصيل من معارف القرآن ودعوته الحقّة . وقد وردت عن الأئمّة من آل الرسول آثار كثيرة فوق التواتر .
فهذه المحكمات من الكتاب في مئات من الآيات ، والسّنن المتواترة القطعيّة ، كافية وقاطعة أنّ نعم الآخرة وعقابها حقائق مادّيّة حسّيّة لطيفة . ولا يجوز الإصغاء إلى الّذين زعموا أنّ الحقائق الأخرويّة حقائق مجرّدة عن المادّة دون الكمّ ينشئها كلّ نفس في الصّقع المناسبة لها .
قوله تعالى :
« مُلْكاً كَبِيراً
( 20 ) » .
قيل : إنّ الفرق بين الملك - بضمّ الميم - وبين الملك - بكسرها - : إنّ الأوّل يستعمل في مالكيّة نظم العامّ والأمر والنهي والقبض والبسط ؛ والثاني في مالكيّة الأعيان .
وقالوا : إن الملك - بكسر اللّام - مأخوذ من الملك - بضمّ الميم . والمالك مأخوذ من الملك - بكسر الميم . ويرد عليه أنّ هذا الّذي ذكروه لا يعقل أن يستند إلى الهيئة ولا إلى المادّة . وأمّا من حيث الاستعمال ، فقد ذكرنا في تفسير قوله تعالى :
« مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ »
في سورة الفاتحة موارد لنقض ما ذكروه من الضّابطة الكلّيّة في آيات الكتاب الكريم .
قال في القاموس 3 / 320 : ملكه يملكه ملكا - مثلّثة - وملكة - محرّكة - ومملكة - بضمّ اللّام أو يثلّث - : احتواه قادرا على الاستبداد به . وماله ملك