لا كلام في أنّ اللّه - سبحانه - خالق الجنّة ومقدّرها ، وخالق ما في الجنّة من الأعيان ومقدّرها ؛ إلّا أنّه تعالى قد جرت سنّته الحسنة في القرآن الكريم أن ينسب أفعاله تارة إلى نفسه المقدّسة وتارة إلى الوسائط في الخلقة من الموكّلين والمأمورين بذلك . قال تعالى :
« اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها » .
( الزّمر / 42 )
« قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ » .
( السجدة / 11 )
فلا يبعد أن يقال : إنّ قوله تعالى :
« قَدَّرُوها » ؛
أي : إنّ المأمورين والموكّلين قدّروها تقديرا .
قوله تعالى :
« وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا ( 17 ) عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا
( 18 ) » .
أقول : الآيتان مسوقتان لتوصيف شراب الأبرار . وظاهر أنّ قوله :
« كَأْساً »
أريد به ما في الكأس من الشّراب . ويمكن أن يكون
« كَأْساً »
منصوبا بنزع الخافض ؛ أي : من كأس .
والمزاج بمعنى الممزوج ؛ مثل الكتاب بمعنى المكتوب . أي : كان ممزوجها - أي : خليطها - زنجبيلا ، أي بحسب الطّعم الطّبيعى والطّبع الأوّلي في نفسها .
قال عدّة من المفسّرين : إنّ العرب يحبّون الزنجبيل ويستطيبونه في الشّراب . فوعد اللّه الأبرار من هذا الشّراب في الجنّة . ( تفسير الرازيّ 30 / 250 ؛ المجمع 10 / 411 )
أقول : قد ذكرنا أنّ هذا البيان بيان وتوصيف لشراب الأبرار بحسب الطّعم المطبوع والعطر المرغوب فيه . وهذا نوع خاصّ من الشّراب وعده اللّه أولياءه في الجنّة . والتعليل الّذي ذكروه عليل ضعيف . وفيه إيهام أنّ العرب يفهمون هذه الآية ويميلون إلى هذا الشّراب دون غيرهم .
قوله تعالى :
« عَيْناً فِيها » ؛
أي : في الجنّة . و
« عَيْناً »
منصوب بنزع الخافض .
قوله تعالى :
« سَلْسَبِيلًا » .
ذكر بعض المفسّرين في اشتقاق لفظ السّلسبيل