العالم ويحتاج إليه . ومعنى قصد الوجه بهذا المعنى : إتيان العمل لأجلها وجعلها غاية للعمل للاستفاضة والاستفادة من الوجه - أي : من رحمته العامّة - والإعراض عن جميع ما سواه . ووراء ذلك صفاته الذاتيّة الكريمة الّتي هي المبدأ لصفاته الفعليّة ولما يترتّب عليها من الخير في العالم . ومرجع كون العمل لوجه اللّه على هذا ، هو الإتيان بالعمل حبّا للّه ؛ لأنّه الجميل على الإطلاق .
وإن شئت فقل : عبادته تعالى لأنّه أهل للعبادة .
أقول : ويرد عليه أوّلا أنّ ظاهر الآيات وصريح الرّوايات أنّ الوجه هو الدّين وما يأتي الخلق به ويتوجّه به إلى اللّه ، لا ما يأتي ويتوجّه اللّه به إلى خلقه .
وثانيا أنّ إضافة الوجه بما له من المعنى اللّغويّ العامّ إليه تعالى وتوصيفه تعالى بها ، غير جايز وتأويل على خلاف الدليل . ويجب تنزيهه تعالى عن الوجه بهذا المعنى المنتزع عن جميع الأشياء . ويجب تنزيهه تعالى عن المواجهة . ثمّ على فرض الصحّة ، إنّما يستقيم ذلك في الصفات الفعليّة دون الصفات الذاتيّة الّتي مبدأ للصّفات الفعليّة إلّا بالتكلّف .
فالمتعيّن بحسب هذه الروايات وغيرها الواردة في باب النيّة والإخلاص : إنّ الوجه فعل المكلّف وقصده وما يتوجّه به إلى اللّه تعالى وإنّ العناية في الإضافة إلى اللّه لأنّه طريق إلى اللّه ؛ كما سيأتي بيانه .
وقوله تعالى :
« إِنَّما نُطْعِمُكُمْ . . » .
حكاية عمّا عقدوا عليه قلوبهم وعمّا أسرّوا إليه تعالى من نجيّات صدورهم ، لا أنّهم قالوا ذلك بألسنتهم .
كلام في معنى الوجه في القرآن الكريم
قال تعالى :
« وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ » .
( البقرة / 115 )
« وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ » .
( البقرة / 272 )
« ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ » .
( الرّوم / 38 )
« وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ » .
( الروم / 39 )
« إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى » .
( اللّيل / 20 )
« وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ » .