بل الإنصاف أنّ ذلك على نحو الإيثار من المجاهدات الكبيرة . وقوله تعالى :
« يُطْعِمُونَ الطَّعامَ »
مطلق شامل لصورة الإيثار وغيره . وصورة الإيثار هو المطابق والموافق لشأن النزول ومورده ، على ما سيجيء من ذيل البحث - إن شاء اللّه . ولا ينافي ذلك شموله لغير الإيثار أيضا .
وقوله تعالى :
« عَلى حُبِّهِ » ؛
أي : حبّ الطّعام . قال في المغني في ذكر معاني « على » : . . . الثاني : المصاحبة - كمع - نحو :
« وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ »
[ البقرة / 177 ]
« وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ » .
[ الرعد / 6 ]
وهل المراد من حبّ الطعام هو المتعارف من حبّ الناس أموالهم - كما قال تعالى :
« إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ » .
( ص / 32 ) - أو المراد من حبّ الطعام حبّه لشدّة احتياجه إليه لسدّ رمقه به ؟
وقيل : الضّمير في
« حُبِّهِ »
راجع إلى اللّه . وقوله :
« عَلى »
بمعنى اللّام .
أي : لحبّ اللّه . ذكره ابن هشام في المغني 1 / 191 في قوله تعالى :
« لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ »
( البقرة / 185 ) ؛ أي : لهدايته إيّاكم .
أقول : الوجه الأوّل مع قطع النظر عن شأن النزول ، هو الظّاهر . والثاني هو المتناسب لشأن النزول ومورده . والثالث خلاف الظّاهر .
وقد اختلف في تفسير قوله :
« أَسِيراً »
أنّه من أين ؛ من أهل القبلة ، أو من دار الحرب . وتحقيقه خارج عن غرض الآية .
قوله تعالى :
« إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً
( 9 ) » .
هذا تقدير آخر وثناء جديد من اللّه - سبحانه - على هؤلاء المخلصين المصطفين ، من مراقبتهم ومواظبتهم في إتيان أعمالهم للّه . فإنّ مقام إخلاص العمل للّه وتصفيته وتطهيره عن أدناس الهوى ، من أشقّ الأعمال ، ومقام تزلّ فيه أقدام الرجال . ويتبيّن المخلص من المرتاب ، عندما يطرح عن الأعمال الحجاب ويكشف عنها الغطاء . وفي الآية الكريمة شهادة من اللّه - سبحانه - على طهارة نفوسهم وصفاء سرائرهم .