تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 305

مساهمون:

ص٣٠٥
وقد ذكرنا في تفسير قوله تعالى :
« عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ »
أنّ العبادة حقيقة إضافيّة لا بدّ من ارتباطها وانتسابها إلى المولى بقصد أمره ؛ ولا بدّ من تحصيل إخلاصه بقصد أمره منحصرا به لا غير ، وبالدواعي الأخرى في طول قصد الأمر بعد تحقّق العبادة ؛ مثل طلب مرضاته تعالى وغيره . وقوله تعالى :
« إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ »
على سبيل الحصر عبارة عن قصد الإخلاص للعمل . فقوله :
« لِوَجْهِ اللَّهِ » ؛
اي : لمرضاته - سبحانه . وقوله :
« لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً »
تأكيد وتوضيح للحصر المذكور في صدر الآية . أي : لا نطعمكم إلّا لوجه اللّه ومرضاته ، من غير إرادة جزاء منكم ولا تشكّر ولا ثناء . والظّاهر أن قوله تعالى :
« شُكُوراً »
مصدر مثل قعود وظهور ونظائرها . وقد يستدلّ على وجوب قصد الإخلاص بقوله تعالى :
« وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ » .
( البيّنة / 5 )
« هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ » .
( المؤمن / 65 ) بيان : الدّين في الآيتين ونظائرهما ، مفعول لقوله تعالى :
« مُخْلِصِينَ » .
ومعنى الآية الأولى : إنّ كفرة أهل الكتاب والمشركين ، فهم ما تفرّقوا وما انحرفوا عن دينهم ، إلّا بعد ما جاءتهم البيّنة الواضحة . وليس فيها ما يوجب ارتيابهم وانحرافهم عن دينهم وقد أمروا أن يعبدوا اللّه وحده ، حال كونهم مخلصين له الدين . أي : إنّ وضع الدين وتشريعه حقّ مطلق اللّه - سبحانه - فقط . ومن عمد إلى وضع شيء وتقنينه وتشريعه على الناس من دون اللّه ، فهو متصرّف في سلطان الربّ ؛ وما وضعه بدعة . وهذا المعنى أجنبيّ عمّا توهّمه بعض من الاستدلال بهذه الآيات بإيجاب الإخلاص في العبادات المشروعة الثابتة في الدين . فالمتحصّل في المقام : إنّ هذه الآيات مسوقة لبيان خلع الأصنام والأضداد للّه - سبحانه - وإخلاص الاسلام والتوحيد للّه وأن لا نعبد إلّا اللّه وحده لا شريك له ، لا إتيان العبادة للّه بقصد الإخلاص . وذكر بعضهم في توجيه الوجه المذكور في الآية أنّ وجه الشيء ما يستقبل به غيره . ووجهه تعالى الّذي يستقبل به خلقه ، هي صفاته الفعليّة الكريمة التي يستقبل بها على خلقه من الخلق والرزق ، وبالجملة ما يقوم به