تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 302

مساهمون:

ص٣٠٢
والنكص . فالمعنى : إنّ هؤلاء الكرام لا يغدرون ولا ينقضون ولا ينكثون ولا ينكصون . وبهذا البيان يمكن أن يستدلّ على أنّ وفاءهم بالنذر ، إنّما هو لأجل وجوبه وعدم جواز النكث فيه ، وأنّ الوفاء بالنذر كان من سيرتهم وسنّتهم . والظّاهر أنّ المراد بالضدّ في الرواية الشّريفة وعبارة القاموس ، ليس هو الضدّ المصطلح ، بل الأعمّ منه ومن نقيضه . وأمّا تفسير الوفاء بإتيان الشيء وافيا وتامّا - مثل : أوف الكيل و . . . - فبعنايات مقاميّة غير هذا المقام . قوله تعالى :
« يَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً
( 7 ) » . هذا تجليل آخر وثناء بالغ على هؤلاء الأجلّة الأحرار . فإنّ الإيمان بالقيامة وحشر الأوّلين والآخرين للحساب والجزاء ، من أهمّ أركان الدين ومن أشرف ما جاء به النبيّون - سيّما القرآن المبين - والإيمان به بحسب مراتب الناس في علومهم ومعارفهم في العلم باللّه واليوم الآخر . فمن كان أنور معرفة وأشدّ يقينا ، فهو أفضل إيمانا . فهؤلاء الراسخون في العلم الّذين يخافون يوم القيامة ، لشدّة معرفتهم ويقينهم بهذا اليوم الخطير والنبأ العظيم وشؤونه ، كأنّهم قطعوا الدّنيا إلى الآخرة فشاهدوا مّا هنالك . فكأنّما القيامة حقّقت عليهم عداتها ، فهم يرون ما لا يرى الناس ويسمعون ما لا يسمعون . وهم أعلم الناس بهذا اليوم وأخوفهم من شرّه . وقوله :
« شَرُّهُ » ؛
أي : شدائده وأهواله . وقيل : عذابه . أقول : الشّدائد والعذاب مرجعه إلى أمر واحد . وليس الشّدائد ما وراء العذاب وبالعكس . وبروز نقماته تعالى على أعدائه ، هو عين الشدائد والعذاب . وظاهر أنّ العذاب والأهوال ليس إلّا على من شمله الخزي والهوان من اللّه - سبحانه . وأمّا أولياؤه تعالى ، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون . كما قال تعالى في الآيات التالية :
« فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً » .
والشرّ مقابل الخير . ومصاديقه نار الجحيم والعقوبات الجارية فيها ؛