الأخيار ، وليست مسوقة للوعيد على من تخلّف من الوفاء بالنذر .
والتحقيق في المقام : إنّه لا ريب أنّ الآيات مسوقة في مقام التجليل والثناء على هؤلاء الكرام ، بالوفاء والخوف من شرّ يوم القيامة وإطعام الطعام - سواء كان مورد المدح والثناء أمرا واجبا أو مندوبا - وليست مسوقة لإنشاء الحكم الواجب ، أو لبيان الإخبار عن حكم واجب في هذا المورد .
وأمّا البحث عن حقيقة النذر وأنّ التزام الإنسان وتعهّده عند اللّه على شيء ، هل يجب القيام به أم لا ؛ فهو بحث فقهيّ راجع إلى وجوب العمل بالنذر شرعا وعقلا . والآيات الكريمة بمعزل عن هذا السياق .
وأمّا قوله تعالى :
« يُوفُونَ بِالنَّذْرِ »
قال في القاموس 4 / 400 : وفي بالعهد - كوعى - وفاءا : ضدّ غدر ؛ كأوفى . والشيء وفيّا - كصليّ - : تمّ وكثر . فهو وفيّ وواف .
أقول : ظاهر كلامه أنّ وفى وأوفى مجّردا أو مزيدا فعل لازم . وهو كذلك . والشّاهد عليه قوله تعالى :
« يُوفُونَ بِالنَّذْرِ » .
فإنّ قوله تعالى :
« يُوفُونَ »
مزيد من باب الإفعال قد استعمل بالباء . وقد قيل في تفسير الإيفاء :
إتيان الشيء وافيا . ( تفسير الرازيّ 30 / 241 )
وفي الكافي 1 / 17 في رواية شريفة مسندا ، عن سماعة بن مهران ، عن الصّادق - عليه السّلام - في ذكر جنود العقل والجهل ما خلاصته : إنّ من جنود العقل الوفاء ؛ وضدّه الغدر .
وفي البرهان 4 / 321 ، عن الصّدوق مسندا ، عن الصّادق - عليه السّلام - عن آبائه ، عن أمير المؤمنين - عليه السّلام - عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أنّه قال :
« إنّ للّه - تبارك وتعالى - تسعة وتسعين اسما ؛ مائة إلّا واحد . من أحصاها ، دخل الجنّة . وهي : . . . الوفيّ . . » .
فالوفيّ من جملة أسمائه تعالى الحسنى الّتي سمّى بها نفسه وأمر النّاس أن يدعوه تعالى بها . وإنّ الوفاء صفة مجد وفضيلة أثنى تعالى به على أوليائه ومجّد بها نفسه القدّوس . وضدّه الغدر والنقض والنكث