الإسلام وبعده .
فالأفعال العمديّة الاختياريّة قسم منها عبادة وخضوع وتذلّل بذاته - مثل السجدة والتّعفير والثناء على اللّه وتقديسه وتمجيده - من غير احتياج إلى قصد الأمر فيها . والأوامر الواردة بها في الكتاب والسنّة ، أوامر إرشاديّة . ويكون الإتيان بها للّه ، تواضعا وعبادة بالحقيقة . نعم ؛ يحتاج بعد تحقّق العبادة فيها إلى الإخلاص في هذه العبادة ، بتخليص الغرض والغايات للّه وحده لا شريك له .
وقسم منها هي الأفعال الاختياريّة الّتي ليست عبادة بذاتها وفي حدّ نفسها ، بل يحتاج تحقّق العبادة فيها إلى قصد الأمر الّذي تعلّق بها . ضرورة أنّ امتثال أمر المولى بقصد أمره فقط ، انبعاث عن بعثه ، وفي المحرّمات انزجار وانتهاء عن زجره ونهيه ، فيكون تعظيما وتواضعا له بالبديهة . فاتّضح أنّ ارتباط المتعلّق وانتسابه إلى أمر المولى ، لا يمكن إلا بقصد أمره في مرتبة متأخّرة عن الأمر رتبة وزمانا . وبعد تحقّق العبادة بالأمر ، يحتاج تخليص العبادة بحصر الغرض والغاية أن يكون للّه وحده لا شريك له ، أو الدّواعي الأخرى الّتي تنتهي إليه تعالى ؛ مثل قصد ثوابه ، أو طلب مرضاته ، أو الخوف من ناره ، أو كونه - سبحانه - أهلا للعبادة وإتيانه تعظيما للّه تعالى وتودّدا وتحبّبا للّه - سبحانه .
وواضح أنّ العبادة لها درجات ومنازل على حسب مراتب العابدين معرفة وكمالا ، وعلى حسب أعمالهم أيضا . فمنهم من يكون أعماله وأفعاله كلّها صادرة عن رضائه وإذنه تعالى . ومنهم من لا يكون كذلك . فأفضل العابدين من يكون أشدّ معرفة باللّه ، وأشدّ مراقبة لجلاله وكبريائه ، ويكون أعماله كلّها قلبا وقالبا وروحا وبدنا مستندة إلى أمره ورضائه ويكون عبد اللّه على الإطلاق . قال تعالى :
« بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ » .
( الأنبياء / 27 )
وغيره من الآيات الكثيرة في هذا الشّأن .
فهؤلاء الأفاضل الأطهار لا يشاؤون إلّا ما شاء اللّه ؛ ولا يختارون إلّا ما اختار اللّه لهم .