والعرفان الحقيقيّ للروح الواجد للحياة والشّعور لإدراك الحقائق المسموعة .
أي : أعطيناه سمعا يسمع دعوة الحقّ إذا تتلى عليه آيات اللّه - سبحانه - فيتدبّر ويتفكّر فيها ويعقلها عقل دراية ، وينتفع بهذه التجهيزات الإلهيّة في ضروريّات حياته ومعاشه ، وفي طريق تحصيل العلوم والفنون وغير ذلك من حوائجه . وكذلك أعطيناه بصرا يشهد ويرى بهذه الحاسّة الكريمة صنع اللّه وصنائعه ، ويرى ويشهد الأسرار المستودعة المشهودة بالعيان الحقيقي ، ويتفكّر ويتبصّر ويعرف فيها من آثار علمه وقدرته ونعوته ومعاني أسمائه ، وخاصّة ما فتح اللّه للنّاظرين المتدبّرين من أبواب العلم بربوبيّته - سبحانه - أي إتقان الصّنع وإحكام النظم في أجزاء العالم وأبعاضه ، دقيقها وجليلها صغيرها وكبيرها ، وينتفع ويتمتّع بهذه الحاسّه الكريمة في ضروريّات حياته ومعاشه ، وفي باب تعلّم العلوم والفنون وتعليمها ، وفي إعمال تلك العلوم والفنون وغيرها من الفوائد .
قوله تعالى :
« إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً
( 3 ) » .
قد كثر استعمال لفظ السّبيل في القرآن الكريم . والمراد منها في أمثال المقام ، هو المنهاج الحقّ السّويّ يسلك به إلى باب اللّه وإلى دار كرامته ويكتسب به مرضاته - سبحانه .
وهدايته تعالى الإنسان إلى هذا السّبيل ، هي الموهبة الكبرى والفضيلة العليا . فسبحانه من إله من أنعمه حيث ألهم الإنسان فجوره وتقواه وأتمّ الحجّة وأزاح العلّة . وبهذه الهداية الفطريّة الإلهيّة ، ظهرت المحجّة .
وقد يسّر اللّه - سبحانه - لهذا الإنسان معرفة هذا السّبيل ؛ وأفاض عليه من المعارف الضروريّة - أي : العلم باللّه تعالى وتوحيده ونعوته ومعرفة الجيّد والرديّ من الأفعال والحسن والقبح والفضيلة والرّذيلة - وأتمّ ذلك واستكمله بتذكير أنبيائه الكرام وإرشاده إلى هذه المعارف الفطريّة والأحكام الضّروريّة العقليّة ، فاستأدوهم ميثاق فطرته وذكّروهم منسيّ نعمته - سبحانه .
ثمّ نصب لهم شرائع قيّمة ومناهج بيّنة لنسكهم وعباداتهم ؛ وقرّر لهم قوانين عادلة لنظام جماعاتهم وحقوقهم . وعرّف اللّه تعالى تلك الشرائع والقوانين على