تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
الظّاهر البيّن . وعلى كلا الوجهين ، فالآية الكريمة على ما تقدّم في صدر السّورة مسوقة لبيان مسير الإنسان في حياته وأنّ خلقه من نطفة أمشاج ليس لغوا ولا عبثا ، بل إنّما خلقه من نطفة أمشاج مريدا به الابتلاء ، أو لابتلائه . وفي قوله تعالى :
« نَبْتَلِيهِ »
بصيغة المضارع ، تصريح على أنّ موطن الابتلاء إنّما هو فيما يستقبل في أيّام حياته . وذكر بعض المفسّرين أنّ المراد من الابتلاء التصاريف الواردة على النّطفة ثمّ صارت علقة ثم صارت مضغة وهكذا . ( انظر : الكشّاف 4 / 194 و 195 ) وفيه : أنّه لا دليل على ذلك بحسب ظاهر الآية . وكذلك لفظ
« نَبْتَلِيهِ »
ليس نصّا ولا ظاهرا في التصاريف التكوينيّة المحضة . واستعمال لفظ الابتلاء في الامتحان بالتكاليف الشرعية شائع في القرآن الكريم . قال تعالى :
« إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ » .
( الصافّات / 106 )
« وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ » .
( البقرة / 124 ) فاتّضح بما ذكرنا أنّ قوله تعالى
« نَبْتَلِيهِ »
فيه حكمة وعناية حسنة جميلة لخلق الإنسان . ومنه يعلم وهن ما قيل من أنّ في الآية تأخيرا وتقديما والتقدير : فجعلناه سميعا بصيرا نبتليه . وقد زعم أنّ الآيات مسوقة لبيان شرائط التكليف وكون الإنسان مكلّفا بالأحكام الشرعيّة ولم يشعر أنّ هذه المراحل والمنازل الّتي يسير الإنسان فيها ويمرّ بها ويفاض عليه في كلّ منها مواهب من ربّه وتيسّر له فيها من هدايات مولاه ، أراد بها تعالى في المقام إقامة الحجة على الإنسان وإزاحة العلّة عنه ، كي يتمكّن من التقدير والشكر إيمانا وعملا أو يلحقه الخزي والخذلان فيكفر بها إيمانا وعملا ، كي يتفرّع على ذلك :
« إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالًا وَسَعِيراً » .
قوله تعالى :
« فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً
( 2 ) » . الظّاهر من السّمع إدراك الإنسان بسمعه إدراكا وعرفانا محدودا بهذه الحاسّة ، على قدر ما شاء اللّه من سنّته الفاضلة الحميدة الحكيمة . وهو من أجلّ آياته تعالى ، ومن أعظم صنعه وصنائعه ؛ وعند التحليل يرجع إلى العلم