أقول : الظّاهر أنّ الآية الكريمة ليست مسوقة لبيان ما يمتزج بالنطفة من ماء المرأة وغيرها من الأخلاط . فليطلب بيان ذلك من الأدلّة الأخرى . فعلى هذا ، لا وجه ولا محصّل للوجوه والأقوال الّتي ذكروها في تفسير ما يمتزج بالنطفة .
وفي نهج البلاغة :
« عالم الغيب من ضمائر المضمرين . . . محطّ الأمشاج من مشارب الأصلاب » .
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم 2 / 398 :
« وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر - عليه السّلام - في قوله :
« أمشاج نبتليه » . قال : ماء الرجل والمرأة اختلطا جميعا .
أقول : ويمكن الاستشهاد في تفسير الأمشاج ومعنى اختلاط النطفة ، بما تقدّم من الروايات الدالّة على أنّ أيّهما علا ماؤه ماء صاحبه يشبه الولد بمن غلب ماؤه ماء صاحبه .
قوله تعالى :
« نَبْتَلِيهِ » .
قال في مرآة الأنوار / 105 : في النهاية : الابتلاء في الأصل : الاختبار والامتحان . يقال : بلوته وأبليته . وفي القاموس : التكليف بلاء ، لكونه شاقّا على البدن ولأنّه امتحان . ثمّ قال : والبلاء يكون محنة .
فالمعنى : نبتليه في مستقبل عمره وفي أيّام دهره . فعلى هذا يكون قوله تعالى :
« نَبْتَلِيهِ »
في موضع التعليل للخلق . أي : خلقنا الإنسان لنبتليه بالأمر والنّهي والتعبّد بالتكاليف وبالطّاعة .
فالآية الكريمة قريبة السّياق من قوله تعالى :
« وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ » .
( الذاريات / 56 )
وفي تفسيرها عدّة من الروايات قريبة المفاد والصّريحة على أنّه تعالى خلق الجنّ والإنس لكي يأمرهم وينهاهم .
وذكر بعضهم أنّ موضع قوله تعالى :
« نَبْتَلِيهِ »
نصب على الحال أي :
مريدين به الابتلاء . ( انظر : تفسير الرازيّ 30 / 237 ) ولا يخفى أنّ ما ذكرناه هو