تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠
في الخلق الأوّل . . . فمن صلّى ركعتين ، ثمّ سجد وشكر اللّه - عزّ وجلّ - مائة مرّة ودعا بهذا الدّعاء بعد رفع رأسه من السّجود . . . يا من هو كلّ يوم في شأن ، كما كان من شأنك أن تفضّلت عليّ بأن جعلتني من أهل إجابتك وأهل دينك وأهل دعوتك ووفّقتني لذلك في مبتدأ خلقي ، تفضّلا منك وكرما وجودا ، ثمّ أردفت الفضل فضلا والجود جودا والكرم كرما ، رأفة منك ورحمة إلى أن جدّدت ذلك العهد لي تجديدا بعد تجديدك خلقي وكنت نسيا منسيّا ناسيا ساهيا غافلا فأتممت نعمتك بأن ذكّرتني ذلك ومننت به عليّ وهديتني له . . » . واعلم أنّ ما تفيده الآية الكريمة من كون الإنسان شيئا مقدّرا غير مذكور في الخلق ، من فروعات القول بعالم العهد والميثاق والذّر . والقائلون بذلك اعتمدوا فيه على قوله تعالى :
« وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ » .
( الأعراف / 172 ) وعلى عدّة كثيرة من الروايات الواردة في تفسير هذه الآية والروايات الدالّة على أنّ الأرواح خلقت قبل الأبدان بألفي عام ، وغيرها من الروايات في الأبواب المتفرّقة . توضيح وتذكرة : قال تعالى :
« قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا . قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً » .
( مريم / 8 و 9 )
« وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَ إِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا . أَ وَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً » .
( مريم / 67 و 68 ) أقول : لا منافاة بين هاتين الآيتين وبين ما ذكرناه في تفسير قوله تعالى :
« هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً » .
ضرورة أنّ النسبة بين هاتين الآيتين وبين الآية المبحوثة نسبة الإطلاق والتقييد . فلا محالة يكون المراد من الشيء المنفيّ على الإطلاق في الآيتين ، هو الشيئيّة قبل مرتبة الذرّ ، بل كان عدما صريحا قبله بخلاف الآية المبحوثة . فإنّها مسوقة لإثبات أنّ الإنسان - أي : هذه الإنّيّة المعلومة المقدّرة - قد كان