مجمع البيان 10 / 406 )
أقول : هذا المعنى ، وإن كان حقّا في حدّ نفسه ، إلّا أنّه بمعزل عن سياق الآية ومفادها . وقد تقدّم آنفا أنّ الآيات في بيان مسير خلق الإنسان وما أفاض اللّه - سبحانه - عليه من مواهبه الكريمة ؛ من السّمع والبصر والهدايات المتواصلة المتكاثرة تشريعا وتكوينا ، وفي ذكر ما يترتّب على ذلك من شكر الإنسان إيمانا وعملا ومن كفرانه كذلك . فالمتحصّل من الآيات بيان هذا التدبير الحكيم والعناية الحكيميّة الإلهيّة في مسير خلق الإنسان .
قوله تعالى :
« لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً
( 1 ) » .
قيل : إنّ النفي في الكلام متوجّه إلى الشيء ، أي الصفة والموصوف .
يعنى : قد أتى على الإنسان من الدهر زمان ولم يكن هذا الإنسان بما أنّه إنسان شيئا مذكورا في جملة الخلق المذكورين ؛ لأنّه ما كان موجودا كذلك ، بل كان موجودا بمادّته وشيئا غير مذكور بفعليّته .
أقول : هذا المعنى أيضا خلاف الظّاهر . فإنّ النفي في أمثال المقام متوجّه إلى القيد والصّفة . فالنفي في قولك : « جاءني القوم غير راكبين » متوجّه إلى الركوب لا القوم ، ومجيء القوم باق على حاله . فتفيد الآية الكريمة أنّ الإنسان الموجود العينيّ مضى عليه دهر وكان شيئا في طيّ هذا الزمان ، إلّا أنّه كان غير مذكور في جملة الخلق المذكورين ، إلى أن بلغ مرتبة النطفة فخلقنا هذا الإنسان الموجود من نطفة أمشاج . إلّا أنّ الآية الكريمة ساكتة عن بيان هذه الحقيقة - أي : كونه مخلوقا جديدا من النطفة - فلا بدّ من استيضاح ذلك من الأدلّة الأخرى . فالمعنى على ما ذكروه : إنّ الإنسان معلوم بمادّته لا بفعليّته ، غير مذكور في الخلق . وعلى ما ذكرنا : إنّ الإنسان موجود عينيّ مقدّر معلوم ؛ ومضى عليه حين من الدهر غير مذكور في الخلق الموجودين ، إلى أن أصابته يد العناية الجديدة الإلهيّة ، فابتدأ خلق الإنسان خلقا جديدا بعد خلقه الأوّل من نطفة أمشاج . ويشهد على ذلك روايات :
منها ما في نور الثقلين 5 / 468 ، عن الكافي مسندا ، عن مالك الجهنيّ قال :