ما ذكرنا في تفسير المقام ما عن أبي عبد اللّه الحسين - عليه السّلام - في دعائه يوم عرفة كما في البحار 98 / 216 :
« اللّهمّ إنّي أرغب إليك وأشهد بالربوبيّة لك ، مقرّا بأنّك ربّي وأنّ إليك مردّي . ابتدأتني بنعمتك قبل أن أكون شيئا مذكورا .
وخلقتني من التراب ؛ ثمّ أسكنتني الأصلاب ، آمنا لريب المنون واختلاف الدهور . فلم أزل ظاعنا من صلب إلى رحم في تقادم الأيّام الماضية والقرون الخالية . لم تخرجني لرأفتك بي ولطفك لي وإحسانك إليّ في دولة أيّام الكفرة الّذين نقضوا عهدك وكذّبوا رسلك ؛ لكنّك أخرجتني رأفة منك وتحنّنا عليّ للّذي سبق لي من الهدى الّذي يسّرتني وفيه أنشأتني . ومن قبل ذلك رؤفت بي بجميل صنعك وسوابغ نعمتك . فابتدعت خلقي من منّي يمنى . ثمّ أسكنتى في ظلمات ثلاث بين لحم وجلد ودم » .
بيان : الدعاء الشّريف صريح في بيان ما استظهرنا من الآية الكريمة وما يدلّ عليه الروايات المباركة من تقدير خلق الإنسان قبل مرتبة النسل . وفيه زيادة أخرى أيضا من الدلالة في قوله - عليه السّلام - : « للذي سبق لي من الهدى الّذي يسّرتني . . » . على أنّ هذه الإنّيّة المقدّرة كانت واجدة للحياة والشعور والهداية يوما من الأيّام .
وكذلك قوله - عليه السّلام - : « آمنا لريب المنون » - والريب في اللّغة بمعنى التصرّف ؛ والمنون : الموت - فيه إشعار بل تصريح على أنّ هذه الإنّيّة الجارية في الأصلاب والأرحام مصونة ومأمونة عن عروض الموت وتصرّفه فيها ، قبل كونها مخلوقة من منيّ يمنى .
وخاصّة قوله - عليه السّلام - : « ابتدأتني بنعمتك قبل أن أكون شيئا مذكورا » بمنزلة التفسير للآية المبحوثة .
وفيه / 299 ، بالإسناد عن أبي هارون العبديّ قال : دخلت على أبي عبد اللّه - عليه السّلام - في يوم الثامن عشر من ذي الحجّة فوجدته صائما . فقال :
« إنّ هذا اليوم يوم عظّم اللّه حرمته على المؤمنين ، إذ أكمل اللّه لهم فيه الدّين وتمّم عليهم النعمة وجدّد لهم ما أخذ عليهم من الميثاق والعهد
مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 289
مساهمون: محمد باقر الملكي الميانجي
ص٢٨٩