المفعول بأداة التّعدية ؛ مثل قوله تعالى :
« وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ »
( التوبة / 103 ) ومثل قوله تعالى :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً »
( الأحزاب / 56 ) ، والدّعاء متعدّ بنفسه .
والظّاهر أنّ الصّلاة بمعنى التوجّه ؛ ويتحقّق بالدعاء . فالدعاء من أظهر ما يتحقّق به الصّلاة . وتفسير الصّلاة بالدعاء من باب خلط المفهوم بالمصداق .
فيجوز أن يقال : إنّ الصّلاة دعاء . والتكبير والتسبيح والتهليل والتمجيد وقراءة القرآن - بما أنّه كتاب ربّك وميزان عبادتك وعبوديتك - كلّها صلاة . والصّلوات المكتوبات والمندوبات كلّها صلاة بمعناها اللّغويّ . غاية الأمر أنّ الواجب والمأمور به هو الفرد الخاصّ بتعدّد الدالّ والمدلول .
أقول : وفيه وجه ثالث . وهو أن يكون صلّى بمعنى تلا . ذكره في القاموس 4 / 353 . قال : صلّى صلاة لا تصلية : دعا والفرس : تلا السّابق .
والظّاهر أنّ قول القاموس : « لا تصلية » : أي : إنّ صلّى هذه ليست من الناقص اليائيّ ، بل من الواويّ وبمعنى دعا وتلا .
والمعنى على هذا الوجه : إنّ هذا الكافر والمنافق ما صدّق شيئا من الحقّ الّذي يجب التصديق به ؛ ولا تلا أحدا من دعاة الحقّ من نبيّ أو وصيّ ؛ أي : ما تبعه . وهذا الوجه ليس ببعيد . وعلى احتمال صحّته ، يسقط الاستدلال بهذه الآية على القول بأنّ الكفّار مكلّفون على الفروع وأنّ اللّه - سبحانه - يعاتبهم على ترك الصلاة .
قوله تعالى :
« وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى
( 32 ) » .
أقول : مقابلة تكذيب الكفّار بقوله :
« فَلا صَدَّقَ » ،
وكذلك مقابلة إعراضهم وإدبارهم عن دعاة الحقّ ، فيه تأييد ما ذكرنا أنّ
« صَلَّى »
بمعنى تلا .
وفي الآيتين اهتمام وعناية لبيان شدّة لجاجهم وعنادهم ؛ حيث أكّد تعالى قوله :
« فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى »
بقوله :
« كَذَّبَ وَتَوَلَّى » .
قوله تعالى :
« ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى
( 33 ) » .
الظّاهر أنّ التعبير بقوله :
« ثُمَّ »
للدلالة على أنّ ذهابهم عقيب إعراضهم