أحسن .
والاستفهام في قوله :
« أَ يَحْسَبُ »
استفهام إنكاريّ . أي : لا ينبغي ولا يجوز أن يترك الإنسان مهملا مع أنّه تعالى خلقه . وتقرير ذلك على وجهين :
الوجه الأوّل : إنّ الآية مسوقة لتنزيهه تعالى عن تركه النّاس ؛ بل خلقهم كي يأمرهم وينهاهم . فهي دالّة على وجوب نظام التشريع ، وقريبة المفاد لقوله تعالى :
« وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ » .
( الذاريات / 56 )
فجعل تعالى لخلقه شرائع وأحكاما ليعبدوه بها ويطيعوه فيها ، إكراما إيّاهم وإحسانا إليهم ، وإيفاء لوظيفة المولويّة ، وتثبيتا وتحكيما لروابط العبوديّة بين الربّ والمربوب . وعرّفهم نفسه ونعوته ومعاني أسمائه وصفاته . فيجب عليهم أن يؤمنوا به ، ويوحّدوه ويسبّحوه ويمجّدوه . ثمّ احتجّ تعالى على إثبات المعاد بقدرته على ابتدائه وتصرّفاته في أطوار خلقه . وهذا هو الّذي يظهر من كلام بعض المفسّرين .
قال الشيخ ( قده ) في تبيانه 10 / 202 : ثمّ قال على وجه التنبيه : إنّ اللّه خلقه للتّكليف والعبادة ، وعلى أنّه قادر على إعادتة وإحيائه بعد موته .
الوجه الثاني : إنّه تعالى ما تركهم سدى ، وما أهمل أمر الجزاء . بل أوجب على نفسه في حكمته وتدبيره ، أن يعيد خلقه بعد فنائهم ، ليجزي الّذين أساؤوا بما عملوا ، ويجزي الّذين أحسنوا بالحسنى . فالآية الكريمة قريبة المفاد من قوله تعالى :
« أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ » .
( المؤمنون / 115 )
« إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى » .
( طه / 15 )
وممّا ذكرنا ، يظهر الفرق بين قوله تعالى :
« أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ »
وبين قوله تعالى :
« أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً » .
فإنّ الّتي في مفتتح السّورة مسوقة للردّ والإنكار على من أنكر المعاد . والّتي في ختام السورة مسوقة لبيان وجوب إعادة الخلق وإقامة يوم الفصل وإجراء سنّة العدل ؛ وبعبارة