أخرى : تنزيهه تعالى عن إهمال أمر المجازاة . والأولى بحث في إثبات المعاد تكوينا . والثانية تذكرة وإرشاد للعقول كي يدركوا بالبداهة قبح الإهمال في أمر الجزاء .
أقول : الأنسب بالآية الكريمة ، هو الوجه الثاني ؛ لما عرفت من عدم تناسب الأوّل بقوله تعالى :
« أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً . . » .
المسوق في مرحلة التعليل والحجّة لقوله تعالى :
« أَنْ يُتْرَكَ سُدىً » .
فإن قلت : فأيّ مانع من شمول قوله تعالى :
« أَنْ يُتْرَكَ سُدىً »
لكلا الوجهين ، كما صرّح به غير واحد من المفسّرين ؟
قلت : لا يجوز ذلك . لأنّ الظّاهر من الآيات أنّ مورد النفي والإثبات هو إهمال أمر الجزاء وعدمه . وليس في الآيات ما يوهم أنّ مورد النزاع أخذهم بالأحكام والأمر والنهي ؛ وليس فيها ما يدلّ على تعميم مورد النزاع باهمال أمر الجزاء وأمر التكاليف الشرعيّة . وأيّ مناسبة بين القول بوجوب جعل التكاليف عليه تعالى وبين قوله :
« أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً . . . »
؟ !
قوله تعالى :
« أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى
( 37 ) » .
الظّاهر أنّ السياق سياق التوبيخ على من يزعم أنّ الإنسان مهمل أمره لا يعود أمره إلى غاية ولا نهاية ؛ وتوبيخ على قصوره في دركه ومعرفته ، وإقامة حجّة على إبطال استبعاده . ومنشأ هذا الزعم والاستبعاد المذكور أنّ الإنسان متروك سدى لا ينتهي أمره إلى حساب وجزاء . فاحتجّ تعالى عليه أنّ إعادته بعد فنائه ، ليس إلّا مثل إيجاده بعد عدمه ؛ وكلاهما أهون شيء عنده تعالى .
وحكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز سواء .
والهمزة في قوله :
« أَ لَمْ يَكُ »
للاستفهام الإنكاريّ . واسم
« يَكُ »
في قوله :
« أَ لَمْ يَكُ »
هو الإنسان المتقدّم ذكره في الآية السّابقة .
قال في القاموس 3 / 200 : النطفة : الماء الصّافي ، قلّ أو كثر . . .
والبحر ، وماء الرجل . ج : نطف .
قوله تعالى :
« يُمْنى » ؛
أي : يصبّ في الرحم .
قوله تعالى :
« ثُمَّ كانَ عَلَقَةً » ؛
أي : صار دما جامدا .