تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
ختم الآمال ودفن الأمنيّات بالموت الّذي ملاقيه عن قريب . وهذه الأمنيّات الواهية هي الحجاب بين الإنسان وبين دركه الحقّ والحقيقة . وقوله تعالى :
« إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ » ؛
أي : الروح تتخلّص من البدن وتنزع منه شيئا فشيئا وبلغت التراقى . والتراقي جمع ترقوة ، وهي : العظام النابتة في أوّل الصدر المكتنفة بالنحر . والآية الكريمة نظيرة قوله تعالى :
« إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ » .
( الواقعة / 83 ) وقوله تعالى :
« راقٍ »
اسم فاعل من رقي يرقى . قال في القاموس : 2 / 336 : رقي إليه يرقى - كرضي - رقيا ورقيا كارتقى . . . ورقية - بالضّم - : العوذة رقى ورقاه رقيا ورقيّا ورقية ورقاء : نفث في عوذة . أقول : الظّاهر أنّ المراد في قوله :
« مَنْ راقٍ »
: هل من طبيب يداويه ، أو يغيثه بعوذته ؟ والقائل على هذا ، هو أهله وأحبّاؤه على طريق الاستفهام ، أو إظهار اليأس من حياته . أو القائل هو الإنسان المحتضر يستغيث : هل من راق يرقيني ؟ على سبيل الاستفهام ، أو إظهار اليأس من الحياة . في نور الثقلين 5 / 465 ، عن الكافي بإسناده عن جابر ، عن أبي جعفر - عليه السّلام - قال : سألته عن قول اللّه - عزّ وجلّ - :
« وَقِيلَ مَنْ راقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ » .
قال : فإنّ ذلك ابن آدم إذا حلّ به الموت ، قال : هل من طبيب ؟ !
« وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ » :
أيقن بمفارقة الأحبّة . فالمستفاد من الآية الكريمة ، بحسب تأييد ظهورها بالرواية الشّريفة ، أنّ القائل هو المحتضر ، واستغاثته إلى الطّبيب والعوذة على سبيل اليأس . وهذا هو المتناسب بسياق التوبيخ والتهديد المسوق له الآية الكريمة . وأمّا ما قيل : « إنّ القائل هو الملائكة يقول بعضهم لبعض :
« مَنْ راقٍ » ؛
أي : من يصعد بروحه إلى السّماء ؟ لأنّ الملائكة يتنفّرون من روح الكافر ( الكشاف 4 / 193 ) فضعيف جدّا ، خارج عن سياق الآية ، أي سياق التوبيخ والتهديد . ولا شاهد على تنفّر الملائكة من روح الكافر . والملائكة إنّما يفعلون ما يفعلون بأمر اللّه .