بدخول الجنة ، والنظر إلى ما وعدهم اللّه . فذلك قوله :
« إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ » .
إنّما يعني بالنظر إليه ، النظر إلى ثوابه - تبارك وتعالى » .
أقول : لا يخفى أنه لا يجوز أن يتوهّم أنّ هاتين الروايتين تنافيان مفاد الدّعاء المرويّ عن عليّ - عليه السّلام - أنّ المراد من النظر إلى الربّ هو النظر المعنويّ أي العيان والعرفان الحقيقيّ ، بداهة أنّه لا تنافي بين المثبتين ، فلا تنافي بين معرفة الرّب وعيانه وبين نظر الموحّدين ومشاهدتهم ثوابه تعالى وكرامته الموعدة لهم في الجنّة .
فإن قلت : فأيّ مانع أن يؤخذ بإطلاق النظر في كلا الموردين ؛ أي : في مورد معاينة الربّ تعالى ، وفي مورد مشاهدة كرامته وثوابه في الجنّة ؟
قلت : قد ذكرنا أنّه لا ريب بحسب الآيات والروايات ثبوت هذه الحقيقة القدسيّة ، وأنّ أولياءه تعالى مبتهجون بمعرفة الربّ ومشاهدته بحقيقة إيمانهم ؛ إلّا أنّ الكلام في دلالة هذه الآية الكريمة المسوقة في بيان حال الفريقين المؤمنين والكافرين في موقف من مواقف القيامة ، سيّما مع الحصر ب « إنّما يعني بالنظر إليه النظر إلى ثوابه - تبارك وتعالى » .
هذا أوّلا . وثانيا : لا جامع بين معاينة المؤمن ربّه تعالى وبين نظره إلى كراماته في الجنّة . فإنّ معاينة المؤمن ربّه تعالى حقيقة قدسيّة لا تكون إلّا بتعريفه نفسه القدّوس إليهم . وهو من أفعاله تعالى . وفعله تعالى لا طور له ولا كيف ، ولا يدرك ولا يوصف . وأمّا النظر إلى موائد الجنة ، إنّما هي بحاسّة العين إلى الموائد المادّية .
فإن قلت : لم لا يجوز النظر إلى الكرامات بما أنّها آيات من آياته تعالى ؟ ! وواضح أنّ النظر إلى الآيات بهذا الحيث ، نظر إلى ذي الآيات - جلّ ثناؤه .
فالمؤمن الموحّد لا يشغله شيء في تلك المواقف عند النظر إلى هذه النعم الجليلة من ذي الآيات ، ولا يعرض عليه غفلة ولا احتجاب عنه تعالى .
قلت : ليس الكلام في أنّ أهل الجنّة في الجنّة عند التوجّه إلى هذه النعم ، وعند التمتّع بها ، محتجبون بها عن ربّهم ، أو متذكّرون به - سبحانه . إنّما الكلام في دلالة هذه الآية الكريمة ونظائرها على هذه الحقيقة القدسيّة ، واستظهار ذلك