أقول : ليس الغرض استقصاء الروايات الواردة في هذا الشأن . وإنّما الغرض الاستشهاد والاستيناس بإطلاق الرّؤية والنظر إليه تعالى على حقيقة العرفان والعيان وبيان أنّ عيانه تعالى بالقلوب بتعريفه تعالى ، وأنّ نورانيّة أبصار القلوب بضياء نظر الإنسان الموحّد إليه تعالى ، هو عين تعريفه تعالى نفسه القدّوس لعباده العارفين .
وهذا المعنى ، وإن كان حقّا في بابه ومن أشرف مقامات الموحّدين العارفين بنعوته تعالى ، إلّا أنّ هاتين الروايتين ونظائرهما ليست مسوقة لتفسير الآية الكريمة وبيان المراد منها . بل الظّاهر في المقام بقرينة مقابلة الناضرة بقوله تعالى في الآية التالية « ال
باسِرَةٌ » ،
وكذلك مقابلة الناظرة بقوله تعالى :
« تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ »
أنّ الآيتين في مقام بيان حال أوليائه تعالى عند مشاهدتهم ما وعدهم اللّه تعالى من ثوابه وكرامته ، وكذلك عند معاينة أعدائه ما حذّرهم اللّه تعالى من شدائد القيامة وهوانها .
ويؤيّد ما ذكرنا ما رواه في البرهان 4 / 407 ، عن الصدوق ، بإسناده عن عبد العظيم بن عبد اللّه الحسني عن إبراهيم بن أبي محمود قال :
« قال عليّ بن موسى الرّضا - صلوات اللّه عليهما - في قول اللّه - عزّ وجلّ - :
« وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ »
قال : قال :
يعني : مشرقة تنظر « 1 » ثواب ربّها .
وفي نور الثقلين 5 / 464 ، عن التوحيد في حديث طويل عن عليّ عليه السّلام يقول فيه - وسأله رجل عمّا اشتبه عليه من الآيات - :
« فأمّا قوله - عزّ وجلّ - :
« وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ . إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ » ؛
فإنّ ذلك في موضع ينتهي فيه أولياء اللّه - عزّ وجلّ - بعد ما يفرغ من الحساب إلى نهر يسمّى الحيوان ؛ فيغتسلون ويشربون منه ويدخلون الجنة . فذلك قوله - عزّ وجلّ - في تسليم الملائكة عليهم :
« سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ » .
[ الزمر / 73 ] فعند ذلك أيقنوا
هامش
( 1 ) - قد ورد في بعض نسخ التوحيد : « تنتظر » بدل « تنظر » . والظاهر أنّ ما في المتن هو الأصحّ ؛ كما سيأتي وجه الضعف في القول بأنّ الناظرة بمعنى المنتظرة .