تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ »
للانتقال في الكلام إلى كلام آخر مسوق لغرض غير الغرض في الكلام السابق . فتحصّل في المقام أنّ
« كَلَّا »
لا تصلح أن تكون ردعا لمقالة المنكرين للمعاد في قوله :
« أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ . . . »
لأنّ تلك الآيات قد انفصلت عمّا بعدها بقوله :
« بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ » .
ولا يصلح أيضا أن تكون ردعا لقوله :
« بَلِ الْإِنْسانُ . . » .
لأنّها كلمة صدق وبلاغ صدق يجب اتّباعها والاهتداء بنورها وهداها . فعليه لا يكون قوله تعالى :
« لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ . . » .
جملة معترضة . لأنّ
« كَلَّا »
للاستفتاح منقطعة عمّا قبلها . ولا يكون أيضا ردعا للرسول على عادة العجلة ، على قول الكشّاف . لأنّ رسول اللّه ما أتى بشيء منكر استحقّ به الردع ، وإنّما ذلك ترسيم في كيفيّة تلقّي الوحي والقرآن لرسوله . وقوله تعالى :
« تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ . . . . »
بيان لحال الناس من حيث إقبالهم إلى الدنيا وإعراضهم عن الآخرة ، وبيان لانقسام الناس إلى طائفتين في عرصات القيامة ، وبيان حال بعضهم عند السياق والاحتضار . وفي هذه الآيات تقريع إيّاهم ، وتوبيخ عليهم . وقوله :
« الْعاجِلَةَ »
صفة لموصوف محذوف ؛ أي : الدنيا العاجلة زوالها والتمتّع بلذائدها . وكذلك الآخرة - أي : المقابل للأوّل والأولى - اسم فاعل مؤنّث الآخر ، أي : الدار الآخرة . قوله تعالى :
« وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ
( 22 ) » . قال في القاموس 2 / 143 : النضرة : النعمة والعيش والغنى والحسن . . . والناضر : الشديد الخضرة . ويبالغ به في كلّ لون ؛ أخضر ناضر وأحمر ناضر وأصفر ناضر . وفي التبيان 10 / 197 : مشرقة مضيئة . أقول : لا يبعد أن يقال : إنّ المراد بنضارة الوجه ، ظهور السّرور والانبساط في الوجوه . لأنّ أهل ثوابه تعالى وكرامته ، يأتون آمنين مطمئنّين ، يرون ما آتاهم اللّه من فضله ورحمته ، فيرى في وجوهم آثار النعمة والرحمة من الطّراوة والنشاط .