فقال بعضهم : إنّ قوله :
« لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ
- إلى قوله : -
عَلَيْنا بَيانَهُ »
جملة معترضة ، والآيات متّصلة بما تقدّمها من توبيخ المرتابين في أمر المعاد والقيامة في قوله :
« أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ » .
أقول : هذا غير واضح . ولا دليل على ذلك . ولا دليل على ارتباط الآيات بعضها ببعض بهذه المثابة حتّى آخر السّورة بأوّلها بتكلّف ومؤونة إلّا ما كان الارتباط مستندا إلى الظّهور اللّفظيّ والقرائن الموجبة للاطمئنان والاعتماد . فمن الممكن أن تكون السّورة الواحدة مثل هذه السورة مسوقة لأغراض مختلفة متعدّدة . على أنّا أوضحنا فيما تقدّم أنّ قوله تعالى :
« بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ »
منفصلة عن الآيات المتقدّمة ، ومنقطعة عنها من حيث الغرض المسوقة له الآيات السابقة عليها ومن أرادها فليراجعها .
ولو قلنا : إنّ
« كَلَّا »
للردع وكان قوله :
« لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ . . » .
معترضا ، لوجب أن يكون
« كَلَّا »
ردعا لمفاد قوله :
« بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ » .
ونزيد على ذلك توضيحا إن شاء اللّه .
قال في الكشاف 4 / 191 :
« كَلَّا »
ردع لرسول اللّه ( ص ) عن عادة العجلة ، وإنكار لها عليه ، وحثّ على الأناة والتؤدة .
أقول : قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى :
« لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ . . » .
أنّه لا دلالة في الآية الكريمة على أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - كان يستعجل عند تلقّي القرآن . فانّ أقصى ما يدلّ عليه أنّه تعالى نهاه كي لا يستعجل ، وليس صحّة النّهي مشروطة بارتكاب متعلّق النهي . على أنّ النّهي ليس نهيا تشريعيّا ، وليس في ارتكابه لغرض مشروع ، استحقاق للردع والتوبيخ . ومنشأ هذه الأقاويل ، هو الاعتماد على المرسلات الواهية الّتي وردت في شأن نزول هذه الآيات .
والتحقيق في المقام أنّ « كلا » ليس في كل مورد للردع والزجر وإنّما ذلك إذا كان قبل « كلا » ذكر من فعل منكر أو قول منكر . وفي غير هذا المورد ، تكون « كلا » بمعنى « ألا » الاستفتاحيّة أو بمعنى « حقا » أو « نعم » .
والظّاهر : أنّ المتناسب في المقام أن تكون بمعنى « ألا » . وقوله :
« بَلْ