تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 260

مساهمون:

ص٢٦٠
تحرير البحث في المقام يحتاج إلى بيان أمرين : الأمر الأوّل : لا ريب عند أولى الأبصار أنّ القرآن الكريم حجّة بين اللّه - سبحانه - وبين خلقه ؛ وهو حبل ممدود بينه تعالى وبين عباده ، عند من عرف لغة القرآن ؛ اللّغة المقدّسة العربيّة . فالقرآن الكريم قد وصفه اللّه - سبحانه - أنّه برهان وفرقان ، وبيان وتبيان ، وشفاء وضياء ، ونور وبصائر ، وغير ذلك من نعوته الجليلة الكريمة . وهو في مرتبة دعوته العامّة يذكّر ويهدي إلى جميع العلوم الفطريّة ألّتي فطر اللّه الناس عليها من معرفته تعالى ومعرفته توحيده - سبحانه - بالمعرفة الفطريّة الّتي فطر اللّه الناس عليها
« لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ » .
( الروم / 30 ) وكذلك تذكيره تعالى بالآيات المخلوقة المصنوعة وسوق الناس إلى التدبّر فيها ومعرفة أسرارها وحيث إنّه تعالى تجلّى بخلقه لخلقه ، وخاصّة أنّه تعالى تجلّى في كلامه فيعرفونه تعالى بظهوره الذّاتي عند التدبّر في الآيات ، خارجا عن الحدّين ؛ حدّ التعطيل ، وحدّ التشبيه . وحيث إنّ القرآن ، هداية وإرشاد إلى جميع العلوم الفطريّة الّتي يتمكّن الناس من نيلها ودركها ، وما ألهمهم اللّه تعالى من فجورهم وتقواهم ، فعند مخاطبة اللّه تعالى إيّاهم بما يعظهم ويرشدهم ، يتذكّرون بضياء المعرفة وشعاع العقل ، ويستنيرون بها ، فيستأديهم اللّه - سبحانه - ميثاق فطرته ، ويثير إليهم دفائن عقولهم ، فيؤاخذهم تعالى بالإيمان والإقرار بما وجدوا وعلموا ببداهة عقولهم ؛ من الحقائق والمعارف والمحسّنات والمقبّحات والمنكرات الضروريّة ، وبالجملة المستقلّات العقليّة المصطلحة عند الفقهاء على عرضها العريض ؛ وخاصّة الانتهاء والاجتناب من كلّ فاحشة وقبيحة ، والقيام بكلّ أمر معروف حسن . وهذه باب واسعة لا يمكن إحصاؤها وبيان دقائقها . ويبشّرهم - سبحانه - بحنانه ووفائه على أهل الوفاء به تعالى من المحسنين والمتّقين ، وبما وعدهم من مواهبه الكريمة وعطاياه الهنيئة ، ويهدّدهم بانتقامه وسطواته ونقماته على الظّالمين والمتكبّرين والمستكبرين في الدنيا . ويبيّن لهم ما يؤول إليه عاقبة أمر المتّقين والمحسنين ، والطّاغين والظّالمين