تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 257

مساهمون:

ص٢٥٧
فمعنى قوله تعالى :
« وَقُرْآنَهُ »
أي : قراءته . قال الرازيّ في تفسيره 30 / 224 : معناه : علينا جمعه في صدرك وحفظك . أقول : يرد عليه أنّ اللّه - سبحانه - قد جمع ما أنزل من القرآن متفرّقا وتدريجا في صدره وحفظه ، فلا يصلح أن يكون موردا لوعده تعالى ؛ لأنّه تحصيل للحاصل . وتوجيه ذلك بأن نجمعه في صدرك وحفظك ونثبته على لسانك ، غير وجيه . لأنّه لا يدفع الإشكال ، مضافا إلى أنّه يكون إقراءا لا قراءة . إن قلت : أيّ مانع أن يقال أنّ مورد وعده تعالى ، هو ما بقي من القرآن بعد هذه السّورة المباركة ؟ قلت : لا مانع منه بحسب الفرض ، إلّا أنّ الآية الكريمة وإطلاقها لا يلائم التبعيض ؛ بل الظّاهر أنّ مورد هذا الوعد الجميل الصّادق هو مجموع القرآن . وفي التبيان 10 / 196 ، عن ابن عبّاس والضحاك : معناه : إنّ علينا جمعه في صدرك وقراءته عليك حتّى يمكنك تلاوته . أقول : يرد عليه أيضا أنّ اللّه - سبحانه - قد جمع القرآن عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله - وقد كان حافظا إيّاه متمكّنا من تلاوته . فلا يبقى مورد لهذا الوعد ، حين أكرم اللّه رسوله بمفاد قوله :
« سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى » .
وأمّا قوله : « وقراءته عليك » فهو موافق لظاهر الآية ، فيجب الالتزام به ، على ما سيجيء توضيحه عن قريب - إن شاء اللّه . إن قلت : أليس ظاهر قوله تعالى :
« إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ »
في مرحلة التعليل لقوله تعالى :
« لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ » ؟
قلت : نعم ؛ إلّا أنّا أوضحنا فيما تقدّم حقيقة هذا النّهي ، وذكرنا أنّ النهي لا دلالة فيه على ارتكاب المنهيّ عنه ، ولا الارتكاب من جملة شرائط النهي . فلا دلالة في النهي على تحقّق العجلة . ولا دلالة في العجلة - على فرض تحقّقه - على أنّه كان خوفا من النسيان ؛ بل يجوز أن تكون لعناية أكيدة واهتمام خاصّ لشأن الوحي وأخذه ، حبّا إيّاه وشوقا إليه ، وغير